فهرس الكتاب

الصفحة 1514 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ } ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ لأهلِ مكَّة: مَن ربُّ السموات والأرض ؟ فَإن أجابُوكَ وقالوا: هو اللهُ ، وإلاّ فقُلِ: اللهُ ربُّهما ، و { قُلْ } ؛ لَهم: { أَفَاتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ } ؛ أي أربَابًا ، { لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا } ؛ فكيف يَملِكون لكم النفعَ والضر.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ } ؛ أي قُل لَهم: هل يستوي أعمَى القلب الذي يعدلُ عن عبادةِ الخالق ؟ هل يستَوِي مع البصير بقلبه ، العالم بأنه تعالى إلَهُهُ ووليُّهُ والقادرُ على نفعهِ ودفعِ الضُّرِّ عنهُ ، { أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ } ؛ فيه تشبيهُ الكفرِ بالظُّلمات ، وتشبيهُ الإيمانِ بالنُّور.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } ؛ معناه: أجَعَلَ الكفارُ لله شُركاءَ ، خلَقَت شركاؤُهم شيئًا كما خَلَقَ اللهُ ، { فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } ؛ فلم يعرفُوا خلقَ الشركاء من خلق اللهِ فأشرَكُوها معه في العبادةِ ؛ { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ؛ بلا شريكٍ ، فإذا لم يكن الخلقُ إلا من واحدٍ لم يكن الخالقُ إلا واحدًا ، فهو الذي يستحقُّ العبادةَ بلا شريكٍ ، { وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } ؛ الغالبُ لكلِّ شيء ، لا يقهَرهُ أحدٌ.

ثم ضربَ اللهُ مثلًا للحقِ والباطل ، وقال تعالى: { أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } ؛ أنزلَ مطرًا فسَالَتْ أودِيةٌ من ذلك المطرِ بقدرِ الأودية ، فما كان منها كبيرًا سالَ بقدرهِ ، وما كان صَغيرًا سالَ بقَدرهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا } أي عَاليًا مُرتفعًا على الماءِ ، والسَّيلُ ما يسيلُ من الموضعِ المرتفع.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ } ؛ أي ومما تطرَحون في النارِ من الذهب والفضَّة لطلب حِلْيَةٍ تلبَسونَها زَبَدٌ ؛ أي خَبَثٌ مثلُ زبَدِ الماءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ } ؛ أرادَ به الحديدَ والرصاص وما يشاكِلهُ مما يوقَدُ عليه في النار ؛ لاتِّخاذ المتاعِ له زَبَدٌ ؛ أي خَبَثٌ مثل ذلك الماءِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ } ؛ أي هكذا يضربُ الله مَثَلَ الحقِّ والباطل ، { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً } ؛ أما زبَدُ هذه الأشياء ، فيذهبُ ناحيةً لا ينتفعُ به ، فإن زبدَ الماء يتعلَّقُ بأصولِ الأشجار وجَنَباتِ الوادي. والْجُفَاءُ: ما رَمَى به الوادِي ، وجُفَاهُ في جَنَبَاتِهِ ، يقال: أجْفَأَتِ القِدْرُ زبَدَها إذا قذفَتْ به ، وكما أنَّ زَبَدض الماءِ يذهبُ بحيث لا ينتَفعُ به ، كذلك خبَثُ الذهب والفضة والحديد ، { وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ } .

قَوْلُهُ تعَالَى: { كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ } ؛ للناسِ في أمر دِينهم ، كما ضربَ لكم المثلَ ، قال قتادةُ: (هُنَّ ثَلاَثَةُ أمْثَالٍ ضَرَبَهَا اللهُ فِي مَثَلٍ وَاحِدٍ ، يَقُولُ: كَمَا أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ، فَسَالَتْ أوْدِيَةٌ بقَدَرِهَا ، الصَّغِيرُ عَلَى مِقْدَارِهِ ، وَالْكَبيرُ عَلَى مِقْدَارِهِ ، كَذلِكَ أنْزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ ، فَاحْتَمَلَ الْقُلُوبَ عَلَى قَدَرِهَا ، ذا الْيَقِينِ عَلَى قَدْرِ يَقِينِهِ ، وَذا الشَّكِّ عَلَى قَدْرِ شَكِّهِ) .

قَالَ: (ثُمَّ شَبَّهَ خَطَرَاتِ وَوَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ بالزَّبَدِ يَعْلُو عَلَى الْمَاءِ ، وَذلِكَ مِنْ خَبَثِ الْبَرِّيَّةِ لاَ عَيْن الْمَاءِ ، كَذَلِكَ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ وَهْمٍ وَشَكٍّ فَهُوَ ذاتُ النَّفْسِ لاَ مِنَ الْحَقِّ) .

قَالَ: (ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الزَّبَدَ يَذْهَبُ جُفَاءً ؛ أيْ هَبَاءً بَاطِلًا وَيَبْقَى صَفْوُهُ ، كَذلِكَ الْبَاطِلُ يَذْهَبُ وَيَبْقَى الْحَقُّ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت