فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } ؛ أي إذا فرغتم من مُتَعَبَّدَاتِكُمْ { فَاذْكُرُواْ اللَّهَ } عَزَّ وَجَلَّ بالخيرِ { كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ } بل أشدُّ ذكرًا. وذلك أنَّهم كانوا يَقِفُونَ بعد قضاءِ المناسك يوم النحرِ بينَ المسجدِ الذي في مِنَى وبين الجبلِ ، يتناشَدون الأشعارَ ويتفاخرون بذكرِ فضائلِ آبائهم ، يقول أحدُهم: يا رب إنَّ عَبْدَكَ فُلانًا - يعني أباه - كان يفعلُ كذا وكذا من الخيرِ. فأمرَهُم الله تعالى أنْ يذكروهُ فهو الذي فَعَلَ ذلك الخيرَ إلى آبائهم ، وأنَّ أيَادِيَهُ عندهم أكثرُ وأعظمُ من أيادي آبائهم عليهم.

وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لَهم بعد نزول هذه الآية:"إنَّ اللهَ قَدْ أذهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمِهَا بالآبَاءِ ، إنَّ النَّاسَ مِنْ آدَمَ وَإنَّ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ ؛ لاَ فَضْلَ لِعَرَبيٍّ عَلَى أعْجَمِيٍّ إلاَّ بالتَّقْوَى"ثُمَّ تَلاَ { ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىا... } [الحجرات: 13] الآيةُ.

وقال بعضُهم: معناهُ أذكُرُوا اللهَ بالتوحيدِ كما تذكرونَ آباءَكم بذلك ؛ فإنَّكم لا ترضَون أن تُنسَبُوا إلى أبَوَين ، وكذلك لا ترضَون من أنفُسِكم باتِّخاذ إلَهَيْنِ.

وعن عطاءٍ والربيعِ والضحاك في قوله: { كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ } : (هُوَ كَقَوْلِ الصَّغِيْرِ أوَّلَ مَا يَفْقََهُ الْكَلاَمَ(أبَهْ أبَهْ) أي اسْتَغِيثُواْ باللهِ وافْزَعُواْ إلَيْهِ فِي جَمِيْعِ أُمُوركُمْ ؛ كَمَا يَفْزَعُ الصَّغِيْرُ إلَى أبيْهِ فِي جَمِيْعِ أُمُورهِ وَيَلْتَحُّ بذِكْرِهِ). وعن أبي الجوزاءِ قالَ: قلتُ لابنِ عباس رضي الله عنه: أخْبرْنِي عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: { فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ } وَقَدْ يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ الْيَوْمُ لاَ يَذْكُرُ أبَاهُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلَكِنْ أنْ تَغْضَبَ للهِ إذا عُصِيَ أشَدَّ مِنْ غَضَبكَ لِوَالِدَيْكَ إذا شُتِمَا) .

وأما وجهُ نصب { أشَدَّ } فقالَ الأخفشُ: (اذْكُرُوهُ ذِكْرًا أشدَّ ذِكْرًا) . وقال الزجَّاجُ: (هُوَ فِي مَحَلِّ الْخَفْضِ ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَنْصَرِفُ لأَنَّهُ صِفَةٌ عَلَى وَزْنِ(أفْعَلَ) . وَنُصِبَ { ذِكْرًا } عَلَى التَّمْييْزِ).

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } ؛ نزلت في مُشرِكي قريشٍ كانوا يقولون في عادتِهم في الحجِّ: اللهُمَّ ارزقنا إبلًا وبقرًا وغَنَمًا وعبيدًا وإماءً وأموالًا. ولَم يكونوا يسألونَ لأنفُسِهم التوبةَ والمغفرةَ ، كانوا لا يرجونَ إلا نعيمَ الدُّنيا ، ولا يخافونَ البعثَ والنشورَ. فبيَّنَ اللهُ تعالى بقوله: { وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } أي من نَصِيْبٍ ولا ثوابٍ.

والمعنى: مَن يطلب بحَجِّهِ أمورَ الدُّنيا لا يريدُ بذلك ثوابَ الله تعالى ، فلا نصيبَ لهُ في ثواب الآخرةِ. وقال أنسُ بن مالكٍ: (كَانُواْ يَطُوفُونَ بالْبَيْتِ عُرَاةً فَيَدْعُونَ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْمَطَرَ وَأعْطِنَا عَلَى عَدُوِّنَا الظَّفَرَ) . وقال قتادةُ: (هَذَا عَبْدٌ نَوَى الدُّنْيَا ؛ لَهَا أنْفَقَ وَلَهَا عَمِلَ وَلَهَا نَصِبَ) . فَهِيَ هَمُّهُ وَسُؤْلُهُ وَطَلَبُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت