قَوْلُهُ تَعَالَى: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ } ؛ معناهُ: أجِيبُوا اللهَ والرسولَ. وقِيْلَ: معنى الإجابة طلبُ الموافقةِ للدَّاعي على وجهِ الطاعة. وَقِيْلَ: الجمعُ بين الاستجابةِ لله وللرسولِ ؛ أي استجِيبُوا للهِ بسَرائِركم وللرسولِ بظوَاهرِكم.
وقولهُ تعالى: { إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ } أي إذا دعَاكُم إلى العلمِ الذي يُحييكم في أمرِ الدِّين. وَقِيْلَ: معناهُ: إذا دعاكم إلى الجهادِ الذي يُحيي أمرَكم. وَقِيْلَ: إذا دعاكم إلى ما يكون سَبَبًا للحياةِ الدَّائمة في نعيمِ الآخرة ؛ لأنه إذا حصلَ الامتثالُ بأمرِ الله ورسولهِ ، حصلت هذه الحياةُ الدائمة ، وإن لم يحصِلِ الامتثالُ أدَّى ذلك إلى العقاب الذي يتمنَّى معه الموتَ. قال القتيبي: (مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: { لِمَا يُحْيِيكُمْ } يَعْنِي الشَّهَادَةَ ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي الشُّهَدَاءِ { بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [آل عمران: 169] ) . واللامُ في قولهِ (لِمَا) بمعنى (إلى) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } ؛ فيه ثلاثةُ أقوالٍ ؛ أحدُها: أن معناهُ: يَحُولُ بين المرءِ وأمَلهِ بالموتِ أو غيره من الآفَاتِ ، فبادِرُوا إلى الطاعاتِ قبلَ الحيلولَةِ ، ودَعُوا التسويفَ فإنَّ الأجلَ يَحُولُ دون الأملِ. وقال مجاهدُ: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبهِ لاَ يَتْرُكُهُ يَفْهَمُ وَلاَ يَعْقِلُ) .
والثاني: أن معناهُ: أنَّ الله تعالى أقربُ إلى ذي القلب مِن قلبه ، فإنَّ الذي يَحُولُ بين الشَّيء وغيرهِ أقربُ إلى ذلك الشيءِ من غيره ، كما قالَ تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق: 16] ، وفي هذا تحذيرٌ شديد.
والثالث أن معناهُ: أن اللهَ يُقَلِّبُ القلوبَ من حالٍ إلى حالِ كما جاء في الدُّعاء:"يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوب". وقال ابنُ جبير: (يَحُولُ بَيْنَ الْكَافِرِ أنْ يُؤْمِنَ ، وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِ أنْ يَكْفُرَ) . وقال ابنُ عبَّاس والضحاك: (يَحُولُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَمَعْصِيَتِهِ ، ويَحُولُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَطَاعَتِهِ) . وقال السديُّ: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يُؤْمِنَ ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَكْفُرَ إلاَّ بإذنِهِ) .
قرأ الحسنُ: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرِّ) بتشديدِ الراء من غير همزٍ ، وقرأ الزهريُّ بضمِّ الميمِ والهمزة وهي لغاتٌ صحيحة.
وقولهُ تعالى: { وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ؛ عطفٌ على قولهِ: { أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } . معناهُ: واعلَمُوا أنَّ مَحْشَرَكُمْ في الآخرةِ إلى اللهِ ، فيَجزِي كلَّ عاملٍ بما عَمِلَ ، إنْ كان خَيرًا فخيرٌ ، وإنْ كان شرًّا فشَرٌّ.
وَقِيْلَ: في آخرِ الآية تأويلُ الآيةِ ؛ أي الذي يَحُولُ بين المرءِ وقلبهِ قادرٌ على أن يُبَدِّلَ خوفَكم أمْنًا ، وأمْنَ عدُوِّكم خَوفًا ، فيجعلَ القويَّ ضعيفًا والضعيفَ قويًا ، والعزيزَ ذليلًا والذليلَ عَزِيزًا ، والشُّجاعَ جَبانًا ، الجبانَ شُجاعًا ، يفعلُ ما يشاء وما يريدُ فأجيبُوا الرسولَ في الجهادِ ولا تخافُوا ضعفَكم.