فهرس الكتاب

الصفحة 1838 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا } ؛ أي لَم يكونوا بأعجبَ ، فقد كان مِن آياتنا ما هو أعجبُ من ذلك. قال الزجَّاجُ: (أعْلَمَ اللهُ أنَّ قِصَّةَ أهْلَ الْكَهْفِ لَيْسَتْ بعَجِيْبَةٍ ؛ لأَنَّ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا أعْجَبُ مِنْ قِصَّةِ أصْحَاب الْكَهْفِ) .

والكهفُ: الغَارُ فِي الْجَبَلِ ، والرَّقِيْمُ: قِيْلَ: هو وادٍ دونَ فلسطين ، وهو الوادي الذي فيه أصحابُ الكهفِ ، وَقِيْلَ: الرقيمُ لوحٌ من حجارةٍ ، وَقِيْلَ: من رصاصٍ كتبوا فيه أسماءَ أهلِ الكهف وقصَّتَهم ثُم وضعوهُ على باب الكهفِ وهو على هذا التأويل بمعنى الْمَرْقُومِ ؛ أي المكتوب ، والرقيمُ: الْخَطُّ والعلامةُ ، والرقيمُ: الكتابةُ.

قال ابنُ عبَّاس: (وَذلِكَ أنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا خَمْسَةَ رَهْطٍ إلَى الْيَهُودِ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ أمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالُوا لَهُمْ: إنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَاسْمُهُ مَحَمَّدٌ ، وَهُوَ فَقِيرٌ يَتِيمٌ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمٌ ، وَإنَّا نَزْعُمُ أنَّهُ يَتَعَلَّمُ مِنْ مُسَيْلَمَةَ ، فَإنَّهُ يَقُولُ: أنَا مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ الرَّحْمَنِ ، وَنَحْنُ لاَ نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلاَّ رَحْمَنَ الْيَمَامَةِ - يَعْنُونَ مُسَيْلَمَةَ -.

فَلَمَّا أتَى هَؤُلاَءِ الرَّهْطُ الْمَدِيْنَةَ ، أتَوا أحْبَارَ الْيَهُودِ وَعُلَمَائَهُمْ فَسَأَلُوا عَنْهُ وَوَصَفُوا لَهُمْ صِفَتَهُ وَخَاتَمَهُ ، قَالُوا: نَحْنُ نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ كَمَا وَصَفْتُمُوهُ ، وَلَكِنْ سَلُوهُ عَنْ ثَلاَثِ خِصَالٍ ، فَإنْ كَانَ نَبيًّا أخْبَرَكُمْ بِخصْلَتَيْنِ ، وَلَمْ يُخْبرْكُمْ بالثَّالِثَةِ ؟ فَإنَّا سَأَلْنَا مُسَيْلَمَةَ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ فَلَمْ يَدْرِ مَا هِيَ ، وَأنْتُمُ سَلُوهُ عَنْ خَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، وَعَنِ الرُّوحِ ، وَعَنْ أصْحَاب الْكَهْفِ.

فَرَجَعُوا وَأخْبَرُوا قُرَيْشًا بذلِكَ ، فَسَأَلُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: سَأُخْبرُكُمْ غَدًا ، وَلَمْ يَقُلْ إنْ شَاءَ اللهُ. فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيْلُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، وَشُقَّ ذلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ نَزَلَ جِبْرِيْلُ بهَذِهِ الآيَةِ { وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ } [الكهف: 23-24] .

ثُم أخبرَهُ عن أصحاب الكهف وحديثِ ذي القرنين وخبرِ أمر الرُّوح ، وحدَّثهُ أن مدينةً بالروم كان فيها ملكٌ كافر يدعو إلى عبادةِ الأوثان والنِّيران ، ويقتلُ مَن خَالَفَهُ ، وفي المدينةِ شابٌّ يدعو إلى الإسلامِ سرًّا ، فتابعهُ فتيةٌ من أهلِ المدينة ، فَفَطِنَ بهم الملكُ فأخذهم ، ودفعَهم الى آبائهم يحفظونَهم ، فمرُّوا بغلامٍ راع ، فبايَعَهم ومعهُ كلبُهم حتى إذا أتَوا غارًا فدخلوهُ ، وألقَى اللهُ عليهم النَّومَ سنين عددًا ، والملكُ طالبٌ لَهم لَم يقِفْ على أمرِهم ، وَعمِيَ عليه خبرُهم ، فسدُّوا بابَ الكهف ليموتوا فيه إن كانوا هنالكَ.

ثُم عَمَدَ رجلٌ إلى لوحِ رصاص ، فكتبَ فيه أسماءَهم وأسماءَ آبائهم ومدينتَهم ، وأنَّهم خرجُوا فرارًا من دِين ملكِهم في شهرِ كذا في سنة كذا وألزقَهُ بالسدِّ ، وكان السدُّ في داخل الكهفِ ، وذكر الفصةَ إلى آخرِها ، فهذا اللوحُ الرصاص هو الرَّقِيْمُ. فأخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قُريشًا بذلك ، فلما أتَوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم قولَ اليهودِ أخبرَهم بخصلَتين ولَم يخبرهم بالثالثةِ ، قال كفارُ قريشٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت