قَوْلُهُ تَعَالَى: { اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ } ؛ يعني الحياةَ الدُّنيا كاللَّعب واللَّهوِ في سُرعَةِ فنائِها وانقضائها ، ونظيرُ هذا قولهُ صلى الله عليه وسلم:"الطَّوَافُ بالْبَيتِ صَلاَةٌ"أي كالصَّلاة ، ويقالُ: فلانٌ يجرِي كالبحرِ في السَّخاء ، وفلانٌ أسَدٌ ؛ أي كالأسدِ في الشَّجاعة.
وقولهُ تعالى { وَزِينَةٌ } أي منظرٌ حسَنٌ ، والمعنى: إنما الحياةُ الدُّنيا لعبٌ ولَهوٌ كلعب الصبيان ، وزينةٌ كزِينَةِ النِّسوانِ ، { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ } كتكَاثُرِ الدُّهقان.
قال عليُّ بن أبي طالبٍ لعمَّار بن ياسرٍ: (لاَ تَحْزَنْ عَلَى الدُّنْيَا ؛ فَإنَّهَا سِتَّةُ أشْيَاءٍ: مَطْعُومٌ ؛ وَمَشْرُوبٌ ؛ وَمَلْبُوسٌ ؛ وَمَشْمُومٌ ؛ وَمَرْكُوبٌ ؛ وَمَنْكُوحٌ ، فَأَكْبَرُ طَعَامِهَا الْعَسَلُ وَهُوَ بُزَاقُ ذُبَابَةٍ ، وَأكْبَرُ شَرَابهَا الْمَاءُ وَفِيهِ يَسْتَوِي جَمِيعُ الْحَيْوَانَاتِ ، وَأكْبَرُ مَلْبُوسِهَا الدِّيبَاجُ وَهُوَ نَسْجُ دُودَةٍ ، وَأكْبَرُ مَشْمُومِهَا الْمِسْكُ وَهُوَ دَمُ فَأْرَةٍ أوْ ظَبْيَةٍ ، وَأكْبَرُ مَرْكُوبهَا الْفَرَسُ وَعَلَيْهِ يُقْتَلُ الرِّجَالُ ، وَأكْبَرُ مَنْكُوحِهَا النِّسَاءُ وَهُوَ مُبَالٌ فِي مُبَالٍ) .
قَوْلُهُ تََعَالَى: { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } ؛ أي مثَلُ الدُّنيا كمثلِ مطَرٍ أعجبَ الزُّرَّاعَ نباتهُ ، والكفرُ في اللغةِ هو التَّغطِيَةُ ، وسُمِّي الكافرُ كافرًا ؛ لأنه يُغَطِّي الحقَّ بالباطلِ ، والزَّارعُ يُغَطِّي الحبَّ بالأرضِ.
والمعنى: كمَثَلِ غيثٍ أعجبَ الزُّرَّاعَ ما نبتَ من ذلك الغيثِ ، { ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا } ؛ أي ثم يَبينُ فيصير مُصْفَرًّا بعدَ خُضرَتِهِ وريِّه ، { ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا } ؛ أي متَكَسِّرًا مفَتَّتًا تحتَ أرجُلِ الدواب ، كذلك الدُّنيا تزولُ وتفنَى ، كما لا يبقَى هذا الزرعُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ } ؛ أي عذابٌ شديد للكفَّار والمنافقِين ، ومغفرةٌ من اللهِ ورضوانٌ للمؤمنين المطيعِين ، وقولهُ تعالى: { وَمَا الْحَيَاوةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } ؛ هي في سُرعَةِ فَنائِها ونفَادِها مثل متاعِ البيت في سُرعةِ فنائه وفراغهِ وسقوطه وانكسارهِ.
وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّهُ كان يقولُ في صفةِ الدنيا: (أمَّا مَاضِي فحَكَم ، وَأمَّا مَا يُغْنِي فَأَمَانِيُّ وَغُرُورٌ) . وقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تكْثِرُ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ".