قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ } ؛ معناهُ: وإذا وجبَ القولُ عليهم بالسُّخْطِ والعذاب عند قُرْب السَّاعة { أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ } ، فقال قتادةُ: (إذا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَأوْجَبَ أنْ يُنْزِلَ بهِمْ مَا قَالَ اللهُ وَحَكَمَ بهِ مِنْ عَذَابهِ وَسُخْطِهِ عَلَيْهِمْ) أي على الكُفَّار الذين تخرجُ عليهم الدَّابةُ ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ } وذلك حين لا يُؤمَرُ بمعروفٍ ولا ينهَى عن منكرِ. قال مُخَلَّدُ بنُ الحسينِ: (لاَ تَخْرُجُ الدَّابَّةُ حَتَّى لاَ يَبْقَى أحَدٌ يُرِيْدُ أنْ يُؤْمِنَ) . قالوا: وتخرجُ الدَّابة من صَدْعٍ في الصَّفَا.
ورُوي أنه تخرجُ بين الصَّفَا والْمَرْوَةِ ، ولا تُخْرِجُ إلاّ رأسَها وعنُقَها ، فيبلغُ رأسُها السحابَ فيراها أهلُ المشرقِ والمغرب فيَسْمَعُونَ كلامَها باللِّسانِ ، فتقولُ لَهم: أيُّها الكُفَّارُ مصيرُكم إلى النار ، ثُم تُقبلُ على المؤمنينَ فتقولُ: أيُّها المؤمنونَ مصيرُكم إلى الجنَّةِ ، فتُمَيِّزُ عند ذلك أهلَ الجنَّة مِن أهلِ النار.
ويجوزُ أن يكون قولهُ { تُكَلِّمُهُمْ } مِن الكَلْمِ وهو الْجَرَاحَةُ ، كما رُوي في قراءةِ ابنِ عبَّاس (تَكْلِمُهُمْ) بنصب التاء وكسرِ اللام ؛ أي تَسِمُهُمْ ، تكتبُ على وجهِ الكافرِ: إنَّهُ كَافِرٌ ، وعلى جَبينِِ المؤمن: إنَّهُ مُؤْمِنٌ.
قال أبُو هريرةَ: (إنَّهَا تَخْرُجُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ) ، وعن ابنِ عَمرو بن العاص أنه قالَ: (تَكْتُبُ عَلَى وَجْهِ الْكَافِرِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ ، فَتَعْثُوا فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَجْهُهُ ، وَتَكْتُبُ عَلَى وَجْهِ الْمُؤْمِنِ نُكْتَةً بَيْضَاءَ ، فَتَعْثُوا فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَجْهُهُ ، فَتَعْرِفُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ عِنْدَ ذلِكَ) . وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنهُ قال: (إذا تَرَكَ النَّاسُ الأَمْرَ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِِ الْمُنْكَرِ كَانَ ذلِكَ الْوَقْتُ وَقْتُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ وَخُرُوجِ الدَّابَّةِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَنَّ النَّاسَ } ؛ قرأ أهلُ الكوفةِ ويعقوب (أنَّ النَّاسَ) بفتحِ الألفِ على وجه الحكايةِ من قولِ الدَّابة وعلى معنى: أخْرَجْنَا الدَّابَّةَ بأنَّ الناسَ { كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ } ؛ وقرأ الباقونَ بالكسرِ على الابتداء.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:""بئْسَ الشِّعْبُ جِيَاد - مرَّتَين أو ثَلاثًا -"قَالُوا: وَلِمَ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:"تَخْرُجُ مِنْهُ الدَّابَّةُ ، فَتَصْرُخُ ثَلاَثَ صَرَخَاتٍ يَسْمَعُهَا مِنْ بَيْنِ الْخَافِقَيْنِ"".
وقال بعضُهم: كنتُ مع ابنِ عبَّاس بمكَّة ، فبينما هو على الصَّفا إذْ قَرَعَ الصَّفا بعصاةٍ وهو مُحْرِمٌ وهو يقولُ: إنَّ الدابةَ تسمعُ قَرْعَ عَصَايَ هذهِ ، قال ابنُ عبَّاس: (هِيَ دَابَّةٌ ذاتُ زَغَبٍ وَريشٍ ، ولَهَا أرْبَعَةُ قَوَائِمَ) .
وعن أبي هريرةَ قَالَ: [تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ ، فَيَجْلُوا وَجْهُ الْمُؤْمِنِ بالْعَصَا ، وَتَحْطِمُ وَجْهَ الْكَافِرِ بالْخَاتَمِ] والْمَحَاطِمُ هي الأُنُوفُ ، واحِدُها مُحْطِمٌ بكسرِ الطَّاء ، وعن حذيفةَ قالَ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: