قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا } ؛ أي نَجَّينا شُعيبًا من ذلك العذاب ، ونَجَّينَا الذين آمَنوا معه برحمةٍ منَّا ، { وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ } ؛ يعني من قومِ شُعيب.
يقال: إنَّ جبريل صاحَ بهم صيحةً ، فخرجت أرواحُهم من أجسادِهم ، { فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } ؛ أي ميِّتين سَاقِطِين صَرْعَى. وَقِيْلَ: بل وَاقِفِين على رُكَبهم ، { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ } ؛ أي كأنْ لم يكونوا في الأرضِ قطٌّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } ؛ معناهُ: ألاَّ سُحْقًا وهلاكًا لقومِ شُعيب كما هلَكت ثَمُودُ ، وإنما شبَّهَهم بثَمُودَ ؛ لأن الصيحةَ كانت سَببًا في هلاكِ الفريقين جميعًا.
قال ابنُ عبَّاس: (وَذلِكَ أنَّ مَدْيَنَ أصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ ، وَلَمْ تَتَحَرَّكِ الرِّيحُ لَيْلًا وَلاَ نَهَارًا ، فَكَانَ يُحْرِقُهُمْ باللَّيْلِ حَرُّ الْقَمَرِ ، وَبالنَّهَار حَرُّ الشَّمْسِ ، فَنَشَأَتْ لَهُمْ سَحَابَةٌ كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فِيْهَا عَذابُهُمْ ، فَأَتَوهَا يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا وَيَطْلُبُونَ الرُّوْحَ ، فَسَالَ عَلَيْهِمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَرَجَفَتِ الأَرْضُ مِنَ الْعَذاب وَأحْرَقَتْهُمُ السَّحَابَةُ ، وَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [الشعراء: 189] ) .
قال: (وَلَمْ يُعَذبْ أُمَّتَانِ بعَذابٍ وَاحِدٍ إلاَّ قَوْمَ شُعَيْبَ وَصَالِح ، فَأَمَّا قَوْمُ صَالِحٍ فَأَخَذتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ ، وَأمَّا قَوْمُ شُعَيْبٍ فأَخَذتْهُمُ الصَّيْحَةَ مِنْ فَوْقِهِم) .