فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } ؛ أوَّلُ هذه الآيةِ راجعٌ إلى صفةِ اليهود والمنافقين الذين سبقَ ذِكرُهم ، والفائدةُ في إعادةِ وَصفِهم بسمَّاعِين للكذب: بيانُ أنَّهم إنما يستحقُّوا الخزيَ بإصرارهم على الكذب واستماعهِ ، وضمِّهم إلى ذلك السُّحْتَ.

واختلَفُوا في المرادِ بالسُّحْتِ ، فقال ابنُ مسعودٍ والحسنُ: (أرَادَ بهِ الرِّشْوَةَ عَلَى الْحُكْمِ) وقال عليٌّ وأبو هريرةَ: (هُوَ الرِّشْوَةُ عَلَى الْحُكْمِ ؛ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ ؛ وَعَسْبُ التَّيْسِ ؛ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ ؛ وَثَمَنُ الْخَمْرِ) .

والسُّحْتُ: اسمٌ لما لا يَحِلُّ أخذهُ ، وأصلُ السُّحتِ من الهلاكِ ، يقال: سَحَتَهُ وَأسْحَتَهُ ؛ إذا اسْتَأْصَلَهُ ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } [طه: 61] أي يُهْلِكَكُمْ ، وسُمِّيَ الحرامُ سُحتًا ؛ لأنه يؤدِّي إلى الهلاكِ والاستئصالِ.

وعن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:"كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أوْلَى بهِ"قِيلَ: مَا السُّحْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:"الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ"وعن مسروقِ عن ابن مسعودٍ قال: (( الرِّشْوَةُ سُحْتٌ ، قُلْتُ لَهُ: فِي الْحُكْمِ ؟ قَالَ: لاَ ؛ ذاكَ الْكُفْرُ ؛ ثُمَّ قَرَأ { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44] . وأرادَ بهذا استحلالَ الرِّشوة وجَحْدَ الحقِّ.

والرشوةُ تنقسمُ على وجوهٍ ؛ منها: الرشوةُ على الحكمِ ، وذلك حرامٌ على الرَّاشِي والمرتَشِي ؛ لأنه لا يخلُو إمَّا ليحكمَ له الحاكمُ بحقِّه ، فيكون المرتشِي آخِذًا للأُجرةِ على أداءِ ما هو فرضٌ عليه ، ويكون الرَّاشي مُحَاكِمًا إلى مَن لا يصلحُ للحكمِ ولا ينفذُ حُكمه ، وإما أنْ يرشِي فيقضِي له بما ليس له بحقٍّ ، فيكون الإثمُ أعظمَ ويفسق الحاكمُ من وجهين ، وكذلك المرتشي ، والرَّائِشُ: أرادَ بالرائش الذي يمشِي بينهما.

ومنها: الرشوةُ في غيرِ الحكم ، كما رُوي عن وهب بن منبه: (أنَّهُ قِيْلَ لَهُ الرِّشْوَةُ حَرَامٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ: إنَّمَا نَكْرَهُ أنْ تَرْشِي لِتُعْطَى مَا لَيْسَ لَكَ ، أوْ تَدْفَعَ حَقًّا لَزِمَكَ ، فَأَمَّا أنْ تَرْشِي لِتَدْفَعَ عَنْ دِينِكَ وَدَمِكَ وَمَالِكَ ، فَلَيْسَ بَحَرامٍ ، وَإنَّمَا الإثْمُ عَلَى الْقَابضِ) .

قرأ عاصمُ ونافع وحمزة وابن عامر: (للسُّحْتِ) بضم السين وجزمِ الحاء ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي بضمِّهما جميعًا ، وقرأ أبو العبَّاس: (للسَّحْتِ) بفتح السِّين وجزم الحاء ، وقرأ عُبيد بن عمر: (للسِّحْتِ) بكسر السين وجزم الحاء ، وكلُّه بمعنى واحدٍ وهو الحرامُ.

وَقِيْلَ: يقال رجلٌ مَسْحُوتُ المعِدَةِ ؛ إذا كَانَ أكُولًا لاَ يُلْفَى أبَدًا إلاَّ جَائِعًا ، قِيْلَ: نزَلت هذه الآيةُ في حكَّام اليهودِ كعب بن الأشرفِ وأمثالهِ ، كانوا يرتَشُون ويقضُون لمن رشَاهُم. وعن الحسنِ في قوله: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِب أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) قال: (ذلِكَ الْحُكَّامُ ؛ يَسْمَعُ كَذِبَهُ وَيَأْخُذُ رشْوَتَهُ ، فَيَكُونُ الْحَاكِمُ قَدْ سَمِعَ الدَعْوَةَ الْكَاذِبَة وَيَأْكُلُ رشْوَتَهُ) .

ورُوي: أنَّ مسروقًا شَفَعَ لرجُلٍ في حاجةٍ ، فأهدَى له جاريةً ، فغضِبَ غَضبًا شديدًا وقال: لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَفْعَلُ هَذا مَا تَكَلَّمْتُ فِي حَاجَتِكَ وَلاَ أتَكَلَّمُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ حَاجَتِكَ ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: يَقُولُ: (( مَنْ شَفَعَ فِي حَاجَةٍ لِيَرُدَّ بهَا حَقًّا أوْ يَدْفَعَ بهَا ظُلْمًا فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَهُوَ سُحْتٌ) ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ مَا كُنَّا نَرَى ذلِكَ إلاَّ أخْذ رشْوَةٍ عَلَى الحُكْمِ ؟ فَقَالَ: (الأَخْذُ عَلَى الْحُكْمِ كُفْرٌ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت