فهرس الكتاب

الصفحة 1008 من 4495

وقولهُ تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا } ؛ قال ابنُ عبَّاس وابنُ مسعودٍ: (نَزَلَتْ فِي بَلْعَمَ بْنِ بَاعُورَا) ، قال مجاهدُ: (وَيُقَالُ لَهُمْ: بَلْعَمُ بْنُ بَاعِر) ، وقال مقاتلُ: (وَيُقَالُ لَهُ أيْضًا: بَلْعَامُ ، وكان عابدًا من عُبَّاد بني إسرائيلَ ، وكان في المدينةِ التي قصدَها موسى عليه السلام ، وكان أهلُ تلك المدينةِ كُفَّارًا ، وكان عندَهُ اسمُ الله الأعظم ، فسألَهُ ملِكُهم أن يدعوَ على مُوسَى بالاسمِ الأعظمِ ليدفعَهُ عن تلك المدينةِ ، فقال لَهم: دِينهُ ودِيني واحدٌ ، وهذا شيءٌ لا يكون ، فكيف ادعُو عليهِ وهو نبيُّ الله ، ومعه الملائكةُ والمؤمنون ، وأنا أعلمُ مِن الله ما أعلمُ ، وإني إنْ فعلتُ ذلك ذهبَتْ دُنياي وآخرَتِي ، فلم يزالُوا به يفتنونَهُ بالمالِ والهدايا حتى فَتَنُوهُ فَافْتَتَنَ.

فرَكِبَ أتَانًا له متوجِّهًا إلى جبلٍ ليدعُوَ عليه ، فما سارَ على الأتَانِ إلاَّ قليلًا فرَبَضَتْ فَنزل عنها ، فضربَها حتى كادَ يُهلِكُها ، فقامَتْ فرَكِبَها فرَبَضَتْ ، فضرَبَها فأنطقَها اللهُ تعالى ، فقالت: يا بَلْعَمُ ويحَكَ أين تذهبُ ؟ ألاَ ترَى إلى هؤلاءِ الملائكة أمَامِي تردُّني عن وجهي ؟ فكيف تريدُ أنْ تذهبَ لتدعوَ على نبيِّ الله عليه السلام وعلى المؤمنين ؟ فخلَّى سبيلَها ، وانطلقَ حتى أتى إلى الجبل وحين وصل إلى الجبلِ ، وجعل يدعُو فكان لا يدعُو بسُوءٍ إلاَّ صرفَ اللهُ لسانَهُ إلى موسَى ، فقال له قومهُ: يا بلعمُ! إنَّما أنتَ تدعو علينا وتدعُو لهم ؟ فقالَ: هذا واللهِ الذي أملِكهُ ، وأنطقَ اللهُ به لسانِي.

ثم امتدَّ لسانهُ حتى بلغَ صدرَهُ ، فقالَ لَهم: قد ذهبَ منِّي الآنَ الدُّنيا والآخرةَ فلم يَبْقَ إلا المكرُ والحيلة ، فسَأَمكُرُ لكم وأحتالُ ، حَلُّوا النساءَ وزيِّنُوهُنَّ وأعطوهن الطّيبَ ، وأرسلُوهنِ إلى العسكر ومُرُوهُنَّ لا تمنعُ امرأةٌ نفسَها من رجلٍ أرادَها ، فإنَّهم إنْ زَنى منهم رجلٌ واحد كُفِيتُمُوهُمْ ، ففعَلُوا.

فلما دخلَ النساءُ العسكرَ مرَّتِ امرأةٌ برجُلٍ من عُظماءِ بني إسرائيل ، فقامَ إليها فأخذها بيدهِ حين أعجبتْهُ بحُسنِها ، ثم أقبلَ بها إلى موسَى وقالَ له: إني لأَظُنُّكَ أنْ تقولَ هذه حرامٌ ؟ قالَ: نَعَمْ هِيَ حَرَامٌ عَلَيْكَ لاَ تَقْرَبْهَا ، قال: فواللهِ لا نطيعُكَ في هذا! ثم دخلَ بها قُبَّتَهُ فوقعَ عليها ، فأرسلَ اللهُ على بني إسرائيل الطاعونَ في الوقتِ.

وكان فِنْحَاصُ بن العيزرا صاحبَ أمرِ مُوسَى ، وكان رجُلًا له بسطَةٌ في الْخَلْقِ وقوَةٌ في البطشِ ، وكان غائبًا حين صنعَ ذلك الرجلُ بالمرأةِ ما صنعَ ، فجاء والطاعونُ يَحُوسُ في بني إسرائيلَ ، فأُخبرَ الخبرَ ، فأخذ حَرْبَتَهُ وكانت مِن حديدٍ كلُّها ، ثم دخلَ عليه القبَّة ، فوجدَهما متضاجِعَين فدَقَّهُما بحربتهِ حتى انتظَمَهما بها جميعًا ، فخرجَ بهما يحملُهما بالحربةِ رافعًا بهما إلى السَّماء ، والحربةُ قد أخذها بذراعهِ واعتمدَ بمِرفَقِهِ وأسندَ الحربةَ إلى لِحيته وجعلَ يقولُ: اللُّهُمَّ هكذا نفعلُ بمَن يعصِيكَ ، فرُفِعَ الطاعونُ من حينئذٍ عنهم فحُسِبَ مَن هَلَكَ من بني إسرائيلَ في ذلك الطاعون ، فوجدُوهم سَبعِينَ ألفًا في ساعَةٍ من نَهارٍ وهو ما بين أنْ زَنَى ذلك الرجلُ بها إلى أن قُتِلَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت