فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 4495

قوله عزّ وَجَلَّ: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } ؛ نزلتِ الآيةُ في الأنصار ؛ كانوا قد ظَاهَرُوا اليهودَ حتى صارَ كأنَّ بينَهم نَسَبًا ، وكانوا يواصلونَهم ويُعاطِفونَهم حتى كان الرجلُ من الأنصار يتزوَّج فيهم فيختارُهم على قومهِ ، فلما جَاءَ اللهُ بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم والإسلامُ وآمَنَ الأنصارُ بغَضَهُمْ اليهودُ ، وكان الأنصارُ يُخالطونَهم ويُشاورونَهم ، كما كانوا يفعلونَ قبلَ الإسلام للرِّضاعة والمصاهرةِ التي كانت بينهم ، فنهَى اللهُ الأنصارَ بهذه الآيةِ وما بعدَها.

ومعناهَا: لا تتَّخِذُوا دَخَلًا من غيرِكم يعني اليهودَ. وبطَانَةُ الرَّجُلِ: خَاصَّتُهُ وأهلُ سِرِّهِ الذينَ يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَهُ ، سُمُّوا بذلك على جهةِ التَّشَبُّهِ ببطانةِ الثَّوب التي تَلِي جِلْدَ الإنسان. وحرفُُ (مِنْ) في قوله: { مِّن دُونِكُمْ } لِلتَّبْييْنِ ؛ أي لا تتَّخذوا الذينَ هم أسافلُ وأراذلُ بطَانَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } أي لا يُبْقُونَ غايةً ، ولا يتركُونَ الجهدَ في إلقائِكم في الفسادِ ، يقالُ: مَا ألَوْتُ فِي الْحَاجَةِ جُهْدًا ؛ أي ما قَصَّرْتُ ، ونصبَ (خَبَالًا) على المفعول الثانِي ؛ لأنه يتعدَّى إلى مفعولين ، وإن شئتَ على المصدر ، وإن شئتَ بنَزع الخافضِ ؛ أي بالْخَبَالِ. وَالْخَبَالُ: الْفَسَادُ ، ومثلهُ الْخَبَلُ أيضًا ؛ يقالُ: رَجُلٌ خَبَلُ الرَّأيِ ؛ فَاسِدُ الرَّأي ؛ والانْخِبَالُ: أي الْجُنُونُ. وقال مجاهدُ: (نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مُؤْمِنِيْنَ كَانُوا يُصَافِحُونَ الْمُنَافِقِيْنَ ويُخَالِطُوهُمْ ؛ فَنَهَاهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذلِكَ) .

قوله عزّ وَجَلَّ: { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } ؛ أي تَمَنُّوا إثْمَكُمْ وَضُرَّكُمْ وَهَلاَكَكُمْ ، والعَنَتُ في اللُّغة: الْمَشَقَّةُ ، يقالُ: أكَمَةٌ عَنُوتٌ ؛ أي طويلةٌ شاقَّةُ المسلَكِ. وقرأ عبدُالله: (قَدْ بَدَأ الْبَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ) بالتذكير ؛ لتقدُّم الفعلِ ؛ ولأن معنى الْبَغْضَاءِ: الْبُغْضَ. قوله تعالى: { قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } ؛ أي قد ظَهَرَتِ العداوةُ من ألسنَتِهم بالشَّتم والطَّعنِ ، { وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } ؛ أي وما يُضْمِرُونَ في قلوبهم من القتلِ لو ظَفَّرُوا بكم أعْظَمُ مِمَّا أظهرُوا لكم. قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ } ؛ أي أخبرنَاكم بما أخْفَوا وأبْدَوا بالدلالاتِ والعلاَماتِ ، { إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } ؛ الْعَدُوَّ مِنَ الْوَلِيِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت