فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } ؛ اختلفَ العلماءُ في لَغْوِ اليمين المذكور في هذه الآيةِ ؛ فقال قومٌ: هو ما يَسْبقُ به اللسانُ على سرعةٍ وعجلة ليصلَ به كلامهُ من غير عَقْدٍ ولا قصدٍ ؛ مثلُ قول الإنسان: لاَ واللهِ ؛ بلى والله ؛ ونحو ذلكَ. فهذا لا كفَّارة فيه ولا إثْمَ عليه ، وعلى هذا القولِ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا والشعبيُّ وعكرمة ومجاهدُ.

وقال أخرون: لَغْوُ الْيَمِيْنِ هو أنْ يحلفَ الإنسانُ على شيءٍ يرى أنه صادقٌ فيه ، ثم تبينُ له خلاف ذلك ؛ فهو خطأٌ منه غير عمدٍ ، فلا إثمَ عليه ولا كفارةَ ؛ وعلى هذا القولِ ابنُ عباس والزهري والحسن وإبراهيمُ النخعي وقتادة والربيعُ وزرارة بنُ أوفى ومحكولُ والسديُّ. وقال عليٌّ رضي الله عنه وطاووسُ: (اللَّغْوُ الْيَمِيْنُ فِي حَالَةِ الْغَضَب وَالضَّجَرِ مِنْ غَيْْرِ عَقْدٍ) وَلاَ عَزْمٍ) ، ومثلهُ مرويٌّ عن ابن عباس. يدلُّ عليه قولهُ صلى الله عليه وسلم:"لاَ يَمِيْنَ فِي غَضَبٍ".

وقال بعضُهم: هو اليمينُ في المعصيةِ ، لا يؤاخذهُ الله بالحنثِ في يمينه ويكفِّرُ ، وبه قال سعيدُ بن جبيرٍ. وقال غيرهُ: ليس عليه في ذلك كفَّارة. وقال مسروقُ في الرجلٍ يحلفُ على المعصيةِ: (كَفَّارَتُهُ أنْ يَتُوبَ عَنْهَا ، وَكُلُّ يَمِيْنٍ لاَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَفِيَ بهَا فَلَيْسَ فِيْهَا كَفَّارَةٌ ؛ وَلَوْ أمَرَهُ بالْكَفَّارَةِ لأَمَرْتُهُ أنْ يَتِمَّ عَلَى قَوْلِهِ) . يدلُّ عليه ما رويَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:"مَنْ نَذَرَ فِيْمَا لاَ يَمْلِكُ فَلاَ نَذْرَ لَهُ ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلاَ يَمِيْنَ لَهُ".

وعنِ إبراهيم النخعيِّ قال: (لَغْوُ الْيَمِيْنِ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ كَلاَمَهُ بالْحَلْفِ ، كَقَوْلِهِ: وَاللهِ لَيَأْكُلَنَّ ؛ وَاللهِ لَيَشْرَبَنَّ ؛ وَنَحْوِهَا ، لاَ يَقْصِدُ بذَلِكَ الْيَمِيْنَ وَلاَ يُرِيْدُ بهِ حَلْفًا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيْهِ كَفَّارَةٌ) . يدلُّ عليه ما"رويَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بقَوْمٍ يَنْتَضَّلُونَ وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابهِ ؛ فَرَمَى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ: وَاللهِ أصَبْتُ ؛ وَاللهِ أخْطَأْتُ. فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حَنَثَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:[كُلُّ أيْمَانِ الرُّمَاةِ لَغْوٌ لاَ كَفَّارَةَ فِيْهَا وَلاَ عُقُوبَةَ".

وقالت عائشةُ: (أيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَ فِي الْهَزْلِ وَالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ وَالْحَدِيْثِ الَّذِي لاَ يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ) . وقال زيدُ بن أسلمَ: (هُوَ دُعَاءُ الْحَالِفِ لِنَفْسِهِ ، كَقَوْلِهِ: أعْمَى اللهُ بَصَرِي إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذَا ، أخْرَجَنِي اللهُ مِنْ مَالِي إنْ لَمْ آتِكَ غَدًا) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } أي بما تعمَّدتم الكذبَ ؛ وهو أن يحلفَ على شيءٍ يعلمُ أنه ليس كذلكَ. والمعنى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بما عزمتم وقصدتُم وتعمدتُم ؛ لأن كَسْبَ القلب العقدُ والنيةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } ؛ أي { غَفُورٌ } لِمن تابَ من اليمين الغَمُوسِ ، { حَلِيمٌ } حين رَخَّصَ لكم في الحنثِ ولم يعاقبكم على اليمينِ على ترك البرِّ.

واللَّغْوُ في اللغةِ: الْكَلاَمُ السَّاقِطُ الَّذِي لاَ فَائِدَةَ فِيْهِ وَلاَ حُكْمَ لَهُ ، يقال: ألْغَيْتُ الشَّيءَ إذا طَرَحْتُهُ. وقد يذكرُ اللَّغو ويراد به الكلامُ الفاحشُ القبيح ، قال اللهُ تعالى: { وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ } [القصص: 55] وقال تعالى: { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا } [الفرقان: 72] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت