قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } ؛ أي قالَ اللهُ: يا عيسَى إنِّي مُنزِلٌ المائدةَ عليكم. قرأ أهلُ المدينة والشامِ وقتادة وعاصم: (مُنَزِّلُهَا) بالتشديدِ ؛ لأنها نزَلت مِرَارًا ، والتفعيلُ يدلُّ على التكثيرِ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ كقوله تعالى { وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا } [الإسراء: 106] , وقرأ الباقون بالتخفيفِ كقوله: (أنزِلْ عَلَيْنَا) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ } ؛ أي فمَن يكفُرْ بعدَ نُزول المائدةِ ، وَقِيْلَ: بعد ما أكَلَ من المائدةِ ، فإنِّي أُعذِّبهُ بجنسٍ من العذاب لا أعذِّبُ أحدًا من عالَمي زمانِهم بذلك العذاب ، وهو أن جعلَ اللهُ مَن كَفَرَ منهم بعد نزول المائدة خنازيرَ. وَقِيْلَ: أرادَ بهذا عذابَ الآخرةِ ، كما رُوي عن ابنِ عمر أنه قالَ (أشَدُّ النَّاسِ عَذابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَةٌ: الْمُنَافِقُونَ ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أصْحَاب الْمَائِدَةِ ، وَآلَ فِرْعَوْنَ) .
ورُوي عن ابنِ عبَّاس في سبب نُزول المائدةِ: (أنَّ عِيسَى كَانَ إذا خَرَجَ اتَّبَعَهُ خَمْسَةُ آلاَفِ رَجُلٍ أوْ أكْثَرُ مِنْ أصْحَابهِ الَّّذِينَ يَقْتَدُونَ بهِ ، وَأهْلُ الزَّمَانَةِ وَالْمَرْضَى والبطارة ، فَسَلَكَ بهِمْ ذاتَ يَوْمٍ الْقِفَارَ ، فَفَنِيَ طَعَامُهُمْ وَجَاعُواْ جُوعًا شَدِيدًا ، فَأَعْلَمَ النَّاسُ تَلاَمِيذهُ الْحَوَارِيِّينَ قَالُواْ: إنْ كَانَ صَاحِبُكُمْ حَقًّا فَلْيَدْعُ رَبَّهُ يُنَزِّلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ، فَكَلَّمَهُ فِي ذلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْحَوَاريِّينَ يُقَالُ لَهُ: شَمْعُونَ الصَّفَّارُ ، فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ يَتَّقُوا اللهَ وَلاَ يَسْأَلُوا لأَنْفُسِهِمْ الْبَلاَءَ ، فَإنَّهُمْ إنْ كَفَرُوا بَعْدَ نُزُولِهَا عَاقَبَهُمُ اللهُ. فَأَخْبَرَهُمْ شَمْعُونُ بذلِكَ ، فَقَالُواْ:(نُرِيدُ أنْ نأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) .
فَقَامَ عِيسَى عليه السلام فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَأَوْحَى اللهُ إلَيْهِ: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) ، ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ فَوْقَهَا مَنَديلُ ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهَا وَعِيْسَى يَبْكِي ، حَتَّى اسْتَقَرَّتِ الْمَائِدَةُ بَيْنَ يَدَي عِيسَى وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً ، ثُمَّ كَشَفَ الْمِنْدِيلَ وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ ، فَإذا عَلَى الْمَائِدَةِ سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ لاَ شَوْكَ فِيهَا ، وَالْوَدَكُ يَسِيلُ مِنْهَا ، وَالْخَلُّ عِنْدَ رَأْسِهَا ، وَالْمِلْحُ عَنْدَ ذنَبهَا ، وَعَلَيْهَا أرْبَعَةُ أرْغِفَةٍ ، وَعَلَيْهَا الْبَقُولُ إلاَّ الكُرَّاثُ - قالَ عطيَّةُ: (كَانَ فِي السَّمَكَةِ طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ) .
فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى: كُلُوا مِنْ رزْقِ رَبكُمْ ، فَأَكَلُواْ مِنْهَا ، وَرَجَعَتِ الْمَائِدَةُ كَمَا كَانَتْ ، فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ إلَى قَرَارِهِمْ ، وَبَشَّرُوا هَذا الْحَدِيثَ لِسَائِرِ النَّاسِ ، ضَحِكَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ ، وَقَالَ: وَيْحَكُمْ! إنَّهُ قَدْ سَحَرَ أعْيُنَكُمْ وَأخَذ بقُلُوبكُمْ. فَمَنْ أرَادَ اللهُ بهِ الخَيْرَ ثبَّتَهُ عَلى الصَّبْرِ ، وَمَنْ أرَادَ فِتْنَتَهُ رَجَعَ إلَى كُفْرِهِ ، فَلَعَنَهُم عِيْسَى فَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ ، ثُمَّ أصْبَحُوا خَنَازيرَ يَنْظُرُ النَّاسُ إلَيْهِمْ ، الذكَرُ ذكَرٌ وَالأُنْثَى أنْثَى وَيَلْعَنُوهُمْ ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُواْ ، وَلَمْ يَتَوَالَدُواْ وَلاَ طَعِمُواْ وَلاَ شَرِبُواْ).
وقال بعضُهم: لَمَّا دعَا عيسى ربَّهُ أن يُنزِّلَ عليهم مائدةً من السَّماء ، أقبَلت الملائكةُ بمائدةٍ يحملونَها ، عليها سبعةُ أرغفةٍ وسبعةُ أحْوَاتٍ حتى وضَعُوها بين أيديهم ، فأكلَ منها آخرُهم كما أكلَ أوَّلُهم.