قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَـالًا طَيِّبًا } ؛ أي كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ من الطعامِ والشراب حلالًا أحلَّهُ الله لكم ، { وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } . وَقِيْلَ:"أنَّهُ لما بلغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرُهم ؛ أتَى دَارَ عُثْمَانَ بْنَ مَضْعُونٍ فَلَمْ يَجِدْهُ ، فَقَالَ لامْرَأةِ عُثْمَانَ بْنِ مَضْعُونٍ - أمِّ حَكِيمٍ بنْتِ أمَيَّةَ وَاسْمُهَا الْخَوْلَةُ وَكَانَتْ عَطَّارَةً -:"أحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْ زَوْجِكِ وَأصْحَابهِ ؟"فَكَرِِهَتْ أنْ تَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ وَكَرِهَتْ أنْ تُبْدِيَ خَبَرَ زَوْجِهَا ؛ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنْ كَانَ أخْبَرَكَ عُثْمَانُ فَقَدْ صَدَقَ ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم."
فَلَمَّا جَاءَ عثْمَانُ أخْبَرَتْهُ زَوْجَتُهُ بذلِكَ ، فَعَنِيَ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذلِكَ ، فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عليه السلام:"أمَّا أنَا ؛ فَلَمْ أوْمَرْ بذلِكَ ، إنَّ لأَنْفُسِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا ؛ فَصُومُوا وَأفْطِرُواْ ؛ وَقُومُواْ وَنَامُواْ ، فَأَنَا أقُومُ وَأنَامُ ، وَأصُومُ وَأفْطِرُ ، وَآكُلُ اللَّحْمَ وَالدَسَمَ ، وآتِي النِّسَاءَ ، مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".
ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَخَطَبَهُمْ وَقَالَ:"مَا بَالُ قَوْمٍ حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ الطَّيِّبَ وَالنَّوْمَ ، أمَّا أنَا فَلاَ آمُرُكُمْ أنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ أوْ رُهْبَانًا ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِي تَرْكُ اللَّحْمِ وَالنِّسَاءِ ، وَاتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ ، فَإنَّ سِيَاحَةَ أمَّتِي الصَّوْمُ ، وَرَهْبَانِيَّتَهُمُ الْجِهَادُ ، فَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بهِ شَيْئًا ، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُواْ وَأقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَصُومُوا رَمَضَانَ ، وَاسْتَقِيمُوا لِيَسْتَقِيمَ لَكُمْ ، فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بالتَّشْدِيدِ ، شَدَّدُواْ عَلَى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ".
وعن سعيدِ بن المسيِّب ؛ قال:"جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ مَضْعُونٍ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فََقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بأَنْ أخْتَصِي ، قَالَ:"مَهْلًا يَا عُثْمَانُ! إنَّ اخْتِصَاءَ أمَّتِي الصِّيَامُ]. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أتَرَهَّبَ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ ، قَالَ:"مَهْلًا يَا عُثْمَانَ! فَإنَّ تَرَهُّبَ أمَّتِي الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ لانْتِظَار الصَّلاَةِ".
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ. قَالَ:"مَهْلًا يَا عُثْمَانُ! فَإنَّ صَدَقَتَكَ يَوْمٌ بيَوْمٍ ، وَتَعِفُّ بنَفْسِكَ وَعِيَالِكَ ، وَتَرْحَمُ الْمَسَاكِينَ وَالْيَتِيْمَ ، فَتُعْطِيهِمَا أفْضَلُ مِنْ ذلِكَ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ نَفْسِي تُحَدَّثُنِي أنْ أطَلِّقَ امْرَأتِي خَوْلَةَ. قَالَ:"مَهْلًا يَا عُثْمَانُ! فَإنَّ الْهِجْرَةَ فِي أمَّتِي مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ ، أوْ هَاجَرَ إلَيَّ فِي حَيَاتِي ، أوْ زَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي ، أوْ مَاتَ وَلَهُ امْرَأةٌ أوْ امْرَأتَانِ أوْ ثَلاَثٌ أوْ أرْبَعٌ".
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَإنْ نَهَيْتَنِي أنْ لاَ أطَلِّقَهَا فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لاَ أغْشَاهَا. قَالَ:"مَهْلًا يَا عُثْمَانُ! فَإنَّ الْمُسْلِمَ إذا غَشِيَ امْرَأتَهُ أوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ رَقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَدٌ ، كَانَ لَهُ وَصِيْفَةٌ فِي الْجَنَّةِ. وَإنْ كَانَ مِنْ وَقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَدٌ ، فَمَاتَ قَبْلَهُ كَانَ لَهُ فَرْطًا وَشَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَإنْ مَاتَ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لاَ آكُلَ اللَّحْمَ. قَالَ:"مَهْلًا يَا عُثْمَانُ! فَإنِّي أحِبُّ اللَّحْمَ وَآكُلُهُ إذا وَجَدْتُهُ ، وَلَوْ سَأَلْتُ رَبي أنْ يُطْعِمَنِيَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ لأَطْعَمَنِيَهُ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لاَ أمَسَّ الطَّيبَ. قَالَ:"مَهْلًا يَا عُثْمَانُ! فَإنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أمَرَنِي بالطَّيب غَبًّا"، وَقَالَ:"يَوْمَ الْجُمُعَةِ لاَ تَرْكَهُ ، يَا عُثْمَانَ لاَ تَرْغَبْ عَنْ سُنَّتِي ، فَإنَّ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ ، صَرَفَتِ الْمَلاَئِكَةُ وَجْهَهُ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".