قَوْلُهُ تَعَالَى: { اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } ؛ أراد بالعرشِ في هذه الآية سريرَ الْمُلْكِ الذي عظَّمَهُ اللهُ ورفعَهُ فوقَ سَموات سبعٍ وجعلَهُ أعظمَ من السَّمواتِ والأرض ، ومِن أعظم كلِّ خلقٍ ، وجعل الملائكة تَحُفُّ به وترفعُ أعمالَ العباد إليهِ ؛ أي هو الذي يستحقُّ العبادةَ لا غيره ، وهو ربُّ العرشِ لا ملكةَ سَبَأ ؛ لأن عرشَها وإن كان عَظِيمًا لا يبلغُ عرشَ الله في العِظَمِ.
فلمَّا فَرَغَ الهدهدُ من كلامه ، { قَالَ } ؛ سليمانُ للهدهدِ: { سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ } ؛ فيما أخبَرْتَنا به مِن هذه القصَّة ، { أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } فنعذِّبُك.
ثُم كتبَ سليمانُ كِتابًا خَتَمَهُ بخَاتَمٍ ودفعهُ إلى الهدهدِ ، وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { اذْهَب بِّكِتَابِي هَـاذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ } ؛ أي إلى أهل سبأ. وقولهُ تعالى: { ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } ؛ أي انصرِفْ عنهم ، وهذا على التقديْمِ والتأخيرِ ، تقديرهُ: { فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } ؛ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ؛ لأن التولِّي عنهم بعد الجواب ، ومعنى { فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } أي ماذا يردُّونَ من الجواب. وَقِيْلَ: معناهُ: { ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } أي انْصَرِفْ عنهم قَليلًا إلى حيث لا يَرَوْنَكَ { فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } أي يقولُون ويردون ويحسبون.
وكان كتابُ سُليمانَ عليه السلام: مِنْ عَبْدِ اللهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ إلَى بَلْقِيْسَ مَلِكَةِ سَبَأ ، السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أمَّا بَعْدُ: فَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ وأتُونِي مُسْلِمِيْنَ. وقال ابنُ جريج: (لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ عَلَى نَصِّ اللهِ كِتَابهِ) . فلمَّا كَتَبَ الكتابَ طَبَعَهُ بالْمِسْكِ وخَتَمَهُ بخاتَمهِ ، وقال للهُدهدِ: اذْهَبْ بهِ ، فأخذ الكتابَ بمنقارهِ وذهبَ به.
فلما أغلقَتِ المرأةُ الأبوابَ دونَها ونامَتْ على سريرِها ، ووضعت المفاتيحَ تحت وسادَتِها ، فأتَى بها الهدهدُ من الكُوَّةِ وهي نائمةٌ مستلقية على قَفَاهَا ، فألقى الكتابَ على وجهِها ونبَّهَها بمنقارهِ وصوتهِ ، فأخذتِ الكتابَ ، وكانت كاتبةً قارئة عربيَّة من تُبَّعِ سراحيل الْحِمْيَرِيِّ ، فقرأتِ الكتابَ وناخَرَ الهدهدُ غيرَ بعيدٍ ، فدعت بذوي الرَّأيِ من قومِها وهم اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ مع كلِّ قائد مائة ألفِ مُقاتلٍ.
وقال قتادةُ: (كَانَ أهْلُ مَشُورَتِهَا ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلًا) فجَاؤُا إليها ، و { قَالَتْ } لَهم: { ياأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } ؛ أي حَسَنٌ ، وَقِيْلَ: شريفٌ ، وَقِيْلَ: مَخْتُومٌ ، قال صلى الله عليه وسلم:"كَرَامَةُ الْكِتَاب خَتْمُهُ"وقولهُ تعالى: { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ } ؛ أي الكتابُ مِن سليمانَ ، { وَإِنَّهُ } ؛ المكتوب ، { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ } أي لا تَستَكِبُروا ، { عَلَيَّ } ولا ترَفَّعُوا علَيَّ ، { وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } ؛ منقادِين طائعين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ } بدلٌ من (كِتَابٌ) وموضعهُ على هذا القولِ رفعٌ ، ويجوزُ أن يكون نَصبًا على معنى بأن لاَ تَعْلُوا عَلَيَّ. وَقِيْلَ: معنى قوله { وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } أي مُؤمِنين باللهِ ورسولهِ مِن الإسلامِ الذي هو دِينُ اللهِ. وَقِيْلَ: مُستَسْلِمين لأَمْرِي فيما أدعُوكُم إليه ، فإنِّي لا أدعُوكُم إلاّ إلى حقٍّ ، فأطيعُونِي قبلَ أن أكْرِهَكُم على ذلكَ.