قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } ؛ يعني مَكَرَ الكفارُ الذين لم يؤمنوا بقصدهم قَتْلَ عيسى عليه السلام ، وَالْمَكْرُ: هُوَ الاحْتِيَالُ فِي تَدْبيْرِ الشَّرِّ. وقَوْلُهُ: { وَمَكَرَ اللَّهُ } أي جَازَاهُمُ اللهُ على ما تقدَّم أنَّ الجزاءَ على المكرِ يُسمى مَكرًا ، كما في الاعتداءِ والسيِّئة والاستهزَاء.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } أي هو أفضلُ الصانعين حين يجازي الكفارَ على صُنعهم ؛ وَخَلَّصَ الممكورَ بهِ ؛ وذلك أنَّ عيسى عليه السلام بعد إخراجِ قومه إياهُ وأمَّهُ مِن بين أظهرِهم عادَ إليهم مع الحواريِّين ، ودعاهُم إلى الإسلام فَهَمُّوا بقتلهِ وتواطَأُوا عليه ، وذلك مكرهُم ، فلمَّا أجْمَعوا على قَتْلِهِ هَرَبَ منهُم إلى بيتٍ فدخلَهُ فرفعَه جبريلُ من الْكُوَّةِ إلى السَّماء. فقال مَلِكُ اليهودِ واسْمُه يَهُودا ، لِرَجُلٍ خَبيْثٍ منهم يقال لهُ طِيْطَانُوسَ: أدْخُلْ عليه البيتَ ، فدخلَ فألقَى اللهُ عليه شَبَهَ عيسَى عليه السلام ، فلمَّا لَم يجدْ عيسى خرجَ ؛ فَرَأوْهُ على شَبَهِ عيسى فظنُّوا أنهُ عيسى ؛ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ ، ثُمَّ قالوا: وَجْهُهُ يشبهُ وجهَ عيسى ، وبدنهُ يشبهُ بدنَ صاحبنا ، فإن كانَ هذا صاحبُنا فأينَ عيسى ؟ وإن كان هذا عيسَى فأين صاحبُنا ؟ فوقعَ بينهم قتالٌ ، فقتلَ بعضُهم بعضًا.
وقال وَهَبُ: (لَمَّا طَرَقُواْ عِيْسَى فِي بَعْضِ اللَّيْلِ وَنَصَبُواْ لَهُ خَشَبَةً لِيَقْتُلُوهُ ؛ أظْلَمَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ فَصَلَبُواْ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ يَهُودَا ظَنُّواْ أنَّهُ عِيْسَى عليه السلام ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَذلِكَ أنَّ عِيْسَى جَمَعَ الْحَوَاريِّيْنَ فِي تِلْكَ اللًَّيْلَةِ ثُمَّ قَالَ: لَيَمْكُرَنَّ بي أحَدُكُمْ قَبْلَ أنْ يَصِيْحَ الدِّيْكُ ، وَيَبيْعُنِي بدَرَاهِمَ يَسِيْرَةٍ. فَخَرَجُواْ وَتَفَرَّقُواْ ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ ؛ فَأَتَى أحَدُ الْحَوَاريِّيْنَ وَقَالَ لِلْيَهُودِ: مَا تَجْعَلُونَ لِمَنْ يَدُلُّكُمْ عَلَى عِيْسَى ؟ فَجَعَلُواْ لَهُ ثَلاَثِيْنَ دِرْهَمًا ، فَأَخَذهَا وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا دَخَلُواْ الْبَيْتَ وَرُفِعَ عِيْسَى ، ألْقَى اللهُ شَبَهَ عِيْسَى عَلَى الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ ؛ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ ، فَرُويَ أنَّهُ لَمَّا أخَذُوهُ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ لَهُمْ: أنَا الَّذِي دَلَلَتُكُمْ عَلَيْهِ, فَلَمْ يَقْبَلُواْ مِنْهُ وَلَمْ يَلْتَفِتُواْ إلَيْهِ وَصَلَبُوهُ وَهُمْ يَظُّنُّونَهُ عَيْسَى) .
قالَ أهلُ التواريخِ: (حملَتْ مريَم بعيسى ولَها ثلاثَ عشرةَ سنةً ، وولدَتْ عيسى لِمُضِيِّ خمسٍ وستِّين سنةً من غَلَبَةِ الاسكندر على أرضِ بَابلَ ، وأوحَى اللهُ إليه على رأسِ ثلاثين ، ورفعَهُ اللهُ من بيتِ المقدسِ ليلةَ القدر من شهر رَمَضَانَ وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً ، وعاشَتْ أمُّهُ بعدَ رفعهِ ستَّ سنين) .
وَالْمَكْرُ: هُوَ السَّعْيُ بالْفَسَادِ فِي سَتْرٍ وَمُنَاجَاةٍ ، وأصلهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَب: مَكَرَ اللَّيْلُ وَأَمْكَرَ ؛ إذا أظْلَمَ. والمكرُ من المخلوقين: الْخَبُّ والخديعةُ والغِيْلَةُ ، وهو مِن الله استدراجُهُ العبادَ ، قال اللهُ تعالى: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } [الأعراف: 182] قال ابنُ عباس: (كُلَّمَا أحْدَثُواْ خَطِيْئَةً تَجَدَّدَتْ لَهُمْ نِعْمَةٌ) . وقال الزجَّاجُ: (مَكْرُ اللهِ مُجَازَاتُهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ ، فَسُمِّيَ الْجَزَاءُ باسْمِ الابْتِدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: