فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ } ؛ أراد به الْمَنَاسِكَ ؛ أي لا تَسْتَحِلُّوا مخالفةَ شيءٍ منها ، ولا تجاوزُوا مواقيتَ الحرمِ غيرَ مُؤَدِّيْنَ حقوقَها ؛ وذلك: أنَّ الأنصارَ كانوا لا يَسْعُونَ بين الصَّفَا والمروةِ ، وكان أهلُ مكَّة لا يخرجونَ إلى عَرَفَةَ فأمرَ اللهُ تعالى أنْ لا يترُكُوا شيئًا من المَنَاسِكِ. وقال الحسنُ: (شَعَائِرُ اللهِ دِيْنُ اللهِ) ؛ أيْ لاَ تَحِلُّوا فِي دِيْنِ اللهِ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يُحِلَّهُ اللهُ. وقالُ: هي حدودُ اللهِ في فرائضِ الشرعِ.

والشَّعَائِرُ في اللغة: الْمَعَالِمُ ، والإشْعَارُ: الإعْلاَمُ ، وَالشَّعِيرَةُ وَاحِدَةُ الشَّعَائِرِ ؛ وهِيَ كُلُّ مَا جُعِلَ عَلَمًا لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ } ؛ أي ولا تَسْتَحِلُّوا القَتْلَ والغارَة في الشَّهرِ الحرامِ ، وأرادَ بذلك الأشهُرَ الْحُرُمَ كلَّها ؛ وهي رَجَبٌ ؛ وذُو الْقَعْدَةِ ؛ وذُو الْحِجَةِ ؛ وَالْمُحَرَّمُ ، إلاَّ أنه ذُكِرَ باسمِ الجنس كما في قولهِ تعالى: { إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } [العصر: 2] أرادَ به جِنْسَ الإنسانِ ، ولذلك استثنَى المطيعَ بقوله: { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } [البقرة: 217] ، ثم نُسِخَ حرمةُ القتال في الشهرِ الحرام بقولهِ تعالى: { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ } ؛ أي لا تُحِلُّوا الْهَدْيَ ؛ أي لا تَذْبَحُوهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ ؛ ولا تنتفِعُوا بهِ بعدَ أن جعلتموهُ للهِ ، ولا تَمنعوهُ أن يَبْلُغَ البيتَ. قَوْلُهَ تَعَالَى: { وَلاَ الْقَلائِدَ } أي ولا تُحِلُّوا القلائدَ التي تكونُ في أعناقِ الهدايا ؛ أي لا تقطعُوها قبلَ الذبْحِ وتصدَّقوا بها بعدَ الذبحِ كما قالَ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ رضي الله عنه:"تَصَدَّقُوا بحَلاَلِهَا وَخِطَامِهَا ، وَلاض تُعْطِي الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا"

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } ؛ معناهُ: ولا تسْتَحِلُّوا القَتْلَ والغارَّة على القاصدينَ المتوجِّهينَ نحوَ البيتِ الحرامِ ، وعنِ ابن عبَّاس رضي الله عنه:"أنَّ الآيَةَ وَرَدَتْ في شُرَيْحِ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ هِنُدِ الْيُمَامِيِّ ،"دَخَلَ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالْمَدِيْنَةِ وَقَالَ: أنْتَ مُحَمَّدٌ النَّبيُّ ؟ قَالَ:"نَعَمْ"قَالَ: إلاَمَ تَدْعُو ؟ قالَ:"أدْعُو إلَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَأنِّي رَسُولُ اللهِ". فَقَالَ: إنَّ لِي أُمَرَاءَ أرْجِعُ إلَيْهِمْ وَأَشَاورُهُمْ ، فَإنْ قَبلُوا قَبلْتُ. ثمَّ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ دَخَلَ بوَجْهِ كَافِرٍ وَخَرَجَ بعَقِبَي غَادِرٍ". فَمَرَّ بسَرْحٍ لأَهْلِ الْمَدِيْنَةِ فَاسْتَاقَهَا ، وَانْطَلَقَ نَحْوَ الْيَمَامَةِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ يَقُولُ:

_@_ بَاتُوا نِيَامًا وَابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ _@_ بَاتَ يٌقَاسِيهَا غُلاَمٌ كَالزُّلَمْ _@_ خَدَلَّجُ السَّاقينَ خَفَّاقُ الْقَدَمْ _@_ قَدْ لَفَّهَا اللّيْلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ _@_ لَيْسَ برَاعِي إبلٍ وَلاَ غَنَمْ _@_ وَلاَ بجزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ وَضَمْ _@_ _@_ هَذا أوَّانُ الْحَرْب فَاشْتَدِّي زَلَمْ _@_

وَقَدْ كَانَ عِنْدَ دُخُولِهِ عَلَى النَّّبيِّ صلى الله عليه وسلم خَلَّفَ خَيْلَهُ خَارجَ الْمَدِيْنَةِ وَدَخَلَ وَحْدَهُ. فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ ؛ خَرَجَ شُرَيْحُ نَحْوَ مَكَّة فِي تِجَارَةٍ عَظِيْمَةٍ فِي حُجَّاجِ بَكْرٍ بْنِ وَائِلٍ مِنْ أهْلِ الْيَمَامَةِ وَهُمْ مُشْرِكُونَ وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُغَيْرُ بَعُضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَإذا كَانَ أشْهَرُ الْحَجِّ أمِنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعضًا ، وَإذا سَافَرَ أحَدُهُمْ فِي غَيْرِ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ نَحْوَ مَكَّةَ قَلَّدَ هَدْيَهُ مِنَ الشَّعْرِ وَالْوَبَرِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَدْيٌ قَلَّدَ رَاحِلَتَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَاحِلَةٌ جَعَلَ فِي عُنُقِهِ قَلاَدَةً ، وَكَانُوا يأْمَنُونَ بذلِكَ ، فَإذا رَجَعُوا مِنْ مَكَّةَ جَعَلُوا شَيْئًا مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ الْحَرَمِ فِي عُتُقِ الرَّاحِلَةِ فَيْأْمَنُوا ، فَلَمَّا سَمِعَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بخُرُوجِ شُرَيْحٍ وَأصْحَابهِ اسْتَأْذَنُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ].

قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا } ؛ في موضعِ نَصْبٍ على الحالِ ، معناهُ: قَاصِدِيْنَ طالِبينَ رزْقًا بالتِّجارةِ ، { وَرِضْوَانًا } أي رضىً مِن اللهِ تعالى عَلَى عَمَلِهِمْ ، وَلاَ يرضَى عنهم حتَّى يُسْلِمُوا. وقال الحسنُ وقتادةُ: [مَعْنَى رضْوَانًا ؛ أيْ يَرْضَى اللهُ عَنْهُمْ ؛ فَيُصْلِحُ مَعَاشَهُمْ وَيَصْرِفُ عَنْهُمْْ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا إذا كَانُوا لاَ يُقَرُّونَ بالْبَعْثِ ، ثُمَّ نُسِخَ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ ذلِكَ تَعَرَّضَ الْمُشْرِكينَ بقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ } [التوبة: 5] كَافَّةً ، وَبقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـاذَا } [التوبة: 28] ]. وقرأ الأعمشُ [وَلاَ آمِّينَ] أبي البيتَ الحرامَ بالإضافةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ } ؛ أي لا يحملَنَّكم ويكسبنَّكم بُغْضُ قومٍ وعداواتُهم بأن صرفوكُم عامَ الْحُدَيْبيَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ على أن تَظْلُمُوهُمْ ، وتتجاوزُوا الحدَّ للمكافأةِ. وموضع: [أنْ تَعْتَدُوا] نَصْبٌ لأنه مفعولٌ ، و { أَن صَدُّوكُمْ } مفعوةلٌ لهُ ، كأنهُ قال: لا يَكْسِبَنَّكُمْ بغضُ قومٍ الاعتداءَ عليهم بصدِّهم إيَّاكم.

قرأ أهلُ المدينةِ إلاَّ قالون ابنَ عامرٍ والأعمش: [شَتْآنُ] بجوزِ النُّون الأُولى. وقرأ الآخرون بالفَتْحِ وهُما لُغتان ؛ إلاّ أنَّ الفتحَ أجودُ لأنه أفْهَمُ اللُّغتين ، ولأنَّ المصادِرَ أكثرُ ما تجيءُ على [فِعْلاَنُ] مثل النَّفَيَانِ وَالرِّتَقَانِ والعَسَلاَنِ ونحوُ ذلك.

قال ابنُ عبَّاس: [مَعْنَى: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } أيْ وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمْ] . وقال الفرَّاءُ: [وَلاَ يَمْسِبَنَّكُمْ] ، قال: [يُقَالُ: فُلاَتٌ جَرِيْمَةُ أهْلِهِ ؛ أيْ كَاسِبُهُمْ] . قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَن صَدُّوكُمْ } قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو بكسرِ الالفِ على الاستئناف الجزاءِ ، وقرأ الباقون بالفتحِ ؛ أي لئن صَدُّوكُمْ ، والفتحُ أجودُ ؛ لأن الصَدَّ كان وَاقِعًا من الكفَّارِ يومَ الحديبيةِ قبل نُزُولِ هذه السورةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى } ؛ أي تَحَاثُّوا على الطَّاعةِ وترك المعصيةِ ، قال أبو العاليَةِ: [الْبِرُّ: مَا أُمْرِتَ به ، وَالتَّقْوَى: تَركُ مَا نُهِيْتَ عَنْهُ] . وظاهرُ الأمرِ يقتضي وجوبَ المعاونةِ على الطَّاعةِ ، وظاهرُ الأمرِ على الوُجُوب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } ؛ أي لاَيُعِنْ شيءٍ من المعاصي والظُّلْمِ ، وقال بعضُهم: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الإثْمِ وَالْبرِّ ؛ فَقَالَ: [الْبرُّ: حًسْنُ الْخُلُقِ ، وَالإثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرَهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ] . قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ؛ أي اخْشَوْهُ وأطيعوهُ فيما أمرَكم به ونهاكم عنه ، { إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } إذا عَاقَبَ ، فعقابهُ شديدٌ.""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت