فهرس الكتاب

الصفحة 4464 من 4495

{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } ؛ وذلك أنَّ فئةً من قريشٍ خرَجُوا تُجَّارًا إلى أرضِ النجاشيِّ ، فسَارُوا حتى دَنَوا من ساحلِ البحرِ ، ثم نزَلوا بحضرةِ بيتٍ ، وكان ذلك البيتُ مُصلَّى للنجاشيِّ وقومهِ من النَّصارى ، فأجَّجُوا نارًا استعمَلُوها لبعضِ ما احتاجوا إليه ، ثم رحَلُوا ولم يُطفِئوا تلك النار ، وكان ذلك في يومٍ عاصف ، فهاجَتِ الريحُ فاحترقَ البيتُ الذي كان مُصلَّى للنجاشيِّ ، وكانوا يعظِّمون ذلك البيتَ كتعظيمِ العرب الكعبةَ ، فقَصدُوا بذلك السبب مكَّة عازمين على تحريقِ بيتِ الله تعالى ، ويستبيحُوا أهلَ مكَّة.

فبعثَ النجاشيُّ أبرهةَ ، فخرج أبرهةُ في سائرِ الحبشة ، وخرجَ معه بالفيلِ ، فسَمعتْ بذلك العربُ ، فأعظَموهُ ورأوا جهادَهُ حقًّا عليهم حين سَمعوا أنه يريدُ هدمَ الكعبةِ ، فخرجَ إليه ملِك من مُلوك حِميَرَ يقالُ له ذو نَفَرْ ، فدعَا قومَهُ ومن أجابَهُ من العرب إلى حرب أبرهةَ وجهادهِ ، فأجابَهُ من أجابَهُ فقاتلَهُ ، فهُزِمَ ذو نفَرٍ وأصحابهُ ، وأُخِذ ذُو نفر أسيرًا ، فلما أرادَ أبرهةُ أن يقتلَهُ قال له ذو نفر: لا تَقتُلني فإنِّي عسَى أن يكون بقائِي معكَ خيرًا لكَ من قتلِي ، فتركَهُ من القتلِ وحبسَهُ معه في وثاقٍ ، وكان أبرهةُ رجُلًا حَليمًا.

ثم مضَى أبرهةُ على وجههِ للذي يريدُ ، حتى إذا كان بأرضِ خَثْعَمَ عرضَ له نُفيل بن حبيبٍ الخثعميُّ فقاتلَهُ فهزمَهُ أبرهةُ ، وأُخِذ نُفيل أسيرًا وأُتِيَ به إلى أبرهةَ ، فلما هَمَّ بقتلهِ قال له: لا تقتُلنِي فإنِّي دليلُكَ في أرضِ العرب ، فخَلَّى سبيلَهُ ، وخرجَ معه يدُلُّهُ. حتى إذا مرَّ بالطائفِ خرجَ إليه مسعودُ الثقفيُّ في رجالٍ من ثقيفٍ ، فقالوا له: أيُّها الملكُ ؛ إنما نحن عبيدُكَ سامِعون لك مطيعون ، ليس لنا عندَكَ خلافٌ ، وليس بينَنا هذا الذي تريدُ هدمَهُ - يعنون اللاَّتَ - إنما تريدُ البيتَ الذي بمكَّة ، ونحنُ نبعث معكَ مَنْ يدلُّكَ عليه ، فتجاوزَ عنهم ، واللاتُ بيتٌ لَهم بالطائفِ كانوا يعظِّمونه نحو تعظيمِهم الكعبةَ.

قال ابنُ اسحق: فبَعَثُوا معه أبَا رغالٍ يدلُّه على الطريقِ إلى مكَّة ، فخرجَ أبرهَةُ ومعه أبو رغَالَ ، فهنالِكَ رجَمتِ العربُ قَبْرَهُ ، فهو القبرُ الذي يُرجم بالْمَغْمَسِ ، فلما نزلَ أبرهةُ بالمغمسِ بعثَ رجلًا من الحبشةِ يقال له: الأسودُ بن مقصودٍ ، على خيلٍ له حتى انتهى إلى مكَّة ، فسَاقَ إليه أموالَ أهلِ يَمامة من قريشٍ وغيرِهم ، وأصابَ فيها مِائتي بعيرٍ لعبدِ المطَّلب بن هاشمِ ، وهو يومئذٍ كبيرُ قريش وسيِّدُها ، فهَمَّت قريشُ وكِنانَةُ وهُذيل ومَن كان بذلك الحرمِ أن يُقاتِلُوه ، ثم عرَفُوا أنه لا طاقةَ لهم به فترَكُوا ذلك.

وبعثَ أبرهةُ حناطةَ الْحِمْيَرِي إلى مكَّة وقال له: سَلْ عن سيِّد هذا البلدِ وشريفِهم ، وقل له: إنِّي لم آتِ لحربكم ، إنما جئتُ لهدمِ هذا البيتِ ، فإن لم تعرُضوا دونَهُ بحربٍ فلا حاجةَ لي بدمائِكم ، فإنْ هو لم يُرِدْ حَربي فأتِني به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت