قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ؛ معناهُ: وإذا رأيتَ المشركين الذين يكذِّبون ويستهزِئون بكَ وبالْقُرْآنِ { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } أي اتْرُكْهُمْ ولا تجالِسْهم على وجهِ الإنكار عليهم ، إلا أنْ يتركُوا استهزاءَهم ويَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِ الْقُرْآنِ. وذلكَ أن المشركينَ كانوا إذا جالسُوا المؤمنين ؛ وَقَعُوا في رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فسبُّوه واستهزؤا بهِ ، فنهَى اللهُ المؤمنينَ عن مُجَالَسَتِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ؛ معناهُ: وَإمَّا يوقعنَّك الشَّيْطانُ في النِّسْيَانِ بَعْدَ النهي فتجلسَ معهم ، فلا شيءَ عليك في تلك الحالِ التي تكون فيها ناسيًا ، فلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مََعَ قَوْمٍ إذا ذكرتَ ، ودَعْ مجالسةَ المشركين فتأثَم. قرأ ابنُ عبَّاس وابن عامرٍ: (يُنْسِيَنَّكَ) بالتشديدِ.
فلما نزلت هذه الآيةُ قال المسلمون: يا رسولَ اللهِ ؛ لَئِنْ كُنَّا كلما استهزأ المشركون بالْقُرْآنِ قُمْنَا وتركناهم ، لا نستطيعُ أن نجلسَ في المسجدِ الحرام ، ولا أن نطوفَ بالبيتِ ؟ فنَزل قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } ، أي ما على الذين يَتَّقونَ الشركَ والمعاصي والخوضَ في آثامِهم ، ومخالفتِهم أمرَ الله من شيء من العقاب. { وَلَـاكِن ذِكْرَى } ؛ أي ولكن ذكِّروهم بالْقُرْآنِ ذِكْرَى إذا فعلُوا وَعِظُوهُمْ ، { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ؛ الشركَ والاستهزاءَ والخوضَ. فموضع (ذِكْرَى) نَصْبٌ على المصدر ، ويجوزُ أن يكون في موضعِ رفعٍ ؛ أي هُوَ ذِكْرَى.