فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ؛ أي استجابَ اللهُ دعاءَ (حِنَّةَ) ، وقَبِلَ نَذْرَهَا ، وجعل مريَم صوَّامةً وقوَّامةً ، ربَّاها اللهُ تربيةً حسنة. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } ؛ أي ضمَّها للقيامِ بأمرِها ، قال صلى الله عليه وسلم:"أنَا وَكَافِلُ الْيَتِيْمِ كَهَاتَيْنِ ، وَأَشَارَ بإصْبَعَيْهِ"وكان عِمرانُ قد ماتَ و (حِنَّةُ) حاملةٌ بمريَمَ. قرأ الحسنُ ومجاهد وابنُ كثير وشيبةُ ونافع وعاصمُ وأبو بكرٍ وابنُ عامر: (وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا) مخفَّفًا ، وزَكَرِيَّا في موضعِ رفعٍ ؛ أي ضمَّها إلى نفسهِ ، وتصديقُ هذه القراءةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } [آل عمران: 44] . وروي عن ابنِ كثير: (وَكَفِلَهَا زَكَرِيَّا) بكسر الفاءِ ؛ أي ضمَّها ، وقرأ الباقون: (وَكَفَّلَهَا) بالتشديدِ وزَكَرِيَّا بالنصب ؛ أي ضمَّها اللهُ زكريَّا فضمَّها إليه بالقُرعةِ ، وفي مُصحف أبَيِّ: (وَأكْفَلَهَا) بالألفِ.

وكان زكريَّا وعِمران تزوَّجا أختين ؛ فكانت إشياعُ بنتُ فاقودَ أختَ حِنَّةَ عندَ زكريَّا ، وكانت حِنَّةُ بنتُ فاقُودَ أمُّ مريَم عند عِمران.

قال المفسِّرون: فلما وضعَت حنَّةُ مريَمَ لفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْهَا إلى المسجدِ فوضعَتها عند الأحبار أبنَاء هارون عليه السلام وهم يومئذ يَلُونَ من بيتِ المقدِسِ مَا يلي الْحَجَبَةُ من الكعبة ، فقالَت لَهُم: دُونَكُمْ هذه النَّذِيْرَةِ ؛ فَتَنافَسَ فيها الأحبارُ لأنَّها كانت بنتَ إمامِهم ، فقال لَهم زكريَّا عليه السلام: أنَا أحقُّ بها لأنَّ خالَتَها عندِي ، فقالت لهُ الأحبارُ: لا تفعل ؛ فإنَّها لو تُركت لأحَقِّ الناسِ بها لتُركت لأُمِّها ، ولكنَّا نُقْرِعُ عليها فتكونُ عند مَن خرجَ سهمُه.

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـاذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ } ؛ أي عندَما رأى زكريَّا أمرَ اللهِ في مريَم طَمِعَ أنَّ الذي يأتِي مريَم بالفاكهةِ في الشِّتاء يُصْلِحُ له عُقْرَ زوجتهِ ، فدعَا عند ذلكَ وقال: { رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } أي وَلَدًَا صالِحًا ، والذُّرِّيَّةُ تكونُ واحدًا وجَمعًا ؛ ذكرًا أو أنثى ، وهو هَا هُنا واحدٌ ، ويدلُّ عليهِ قولهُ: { فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا } ولَم يقل أولِياءً ، وإنَّما أتت { طَيِّبَةً } لأنه على لفظِ ذُرية كما قالَ الشاعرُ: أبُوكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أخْرَى وَأنْتَ خَلِيْفَةٌ ذاكَ الْكَمَالِفأنَّث (وَلَدَتْهُ) لتأنيثِ الخليفة.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ } أي سامِعُ الدعاءِ ومُجيِّبُهُ ، وقولُهم: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي أجابَ ، وأنشدَ: دَعَوْتُ اللهَ حَتَّى خِفْتُ أنْ لاَ يَكُونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أقُولُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت