فهرس الكتاب

الصفحة 2324 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } ؛ الآيةُ ،"وذلكَ أنَّ اللهَ سُبحانه لَمَّا أنزلَ الآيةَ التي قبلَ هذه الآيةِ في قذفِ الْمُحصَنات وشَرَطَ فيها الإتيانَ بأربعةِ شهداءَ وإلاّ جُلِدَ ثَمانين جلدةً ، قَرَأهَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم على الْمِنْبَرِ."

فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ: يَا رَسُولَ اللهِ! جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ ، أرَأيْتَ إنْ رَأى رَجُلٌ مِنَّا مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا عَلَى بَطْنِهَا ، فَأَرَادَ أنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ فَيَجِيْءَ بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ قَضَى الرَّجُلُ حَاجَتَهُ وَخَرَجَ ، وَإنْ هُوَ عَجَّلَ فَقَتَلَهُ قَتَلْتُمُوهُ ، وَإنْ تَكَلَّمَ بذلِكَ جَلَدْتُمُوهُ ، وَإنْ سَكَتَ ؛ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ شَدِيْدٍ ؟

فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"كَفَى بالسَّيْفِ"أرَادَ أنْ يَقُولَ شَاهِدًا ، فَأُرْسِلَ عَلَيْهِ جِبْرِيْلُ بالسُّكُوتِ ، فَأَمْسَكَ لِئَلاَّ يَتَسَارَعَ أحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إلَى قَتْلِ أزْوَاجِهِمْ.""

وقال ابنُ عبَّاس: ["لَمَّا نَزَلَتْ: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } [النور: 4] ، قَرَأهَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ مَقَالَتَهُ الَّتِي ذكَرْنَاهَا - وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! كَيْفَ لَنَا بالشُّهَدَاءِ وَنَحْنُ إذا الْتَمَسْنَاهُمْ قَضَى الرَّجُلُ حَاجَتَهُ وَخَرَجَ. وَكَانَ لِعَاصِمٍ هَذا ابْنُ عَمٍّ يُقَالُ لَهُ عُوَيْمِرَ ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأةٌ يُقَالُ لَهَا خَوْلَةُ بنْتُ قَيْسِي ، فَأَتَى عُوَيْمِرُ عَاصِمًا فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُ شُرَيْكَ بْنَ سَحْمَاءَ عَلَى بَطْنِ امْرَأتِي خَوْلَةَ ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجُمُعَةِ الأُخْرَى ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا أسْرَعَ مَا ابْتُلِيْتُ بالسُّؤَالِ الذَِّي سَأَلْتُ فِي الْجُمُعَةِ الْمَاضِيَةِ فِي أهْلِ بَيْتِي ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"وَمَا ذاكَ ؟"قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أخْبَرَنِي عُوَيْمِرُ أنَّهُ رَأى شُرَيْكَ بْنَ سَحْمَاء عَلَى بَطْنِ امْرَأتهِ خَوْلَةَ."

وكَانَ عُوَيْمِرُ وَخَوْلَةُ وَشُرَيْكٌ كُلُّهُمْ بَنِي عَمِّ عَاصِمٍ ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بهِمْ جَمِيْعًا ، وَقَالَ لِعُوَيْمِر:"اتَّقِ اللهَ ؛ اتَّقِ الله فِي زَوْجَتِكَ وَخَلِيْلَتِكَ وَابْنَةِ عَمِّكَ فَلاَ تُعَذِّبْهَا بالْبُهْتَانِ"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أُقْسِمُ باللهِ أنِّي رَأيْتُ شُرَيْكًا عَلَى بَطْنِهَا. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"اتَّقِ اللهَ وَأخْبريْنِي بمَا صَنَعْتِ"فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّ عُوَيْمِرًا رَجُلٌ غَيُورٌ ، وَإنَّهُ رَآنِي وَشُرَيْكًا نَتَحَدَّثُ ، فَحَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ عَلَى مَا قَالَ""

وروى عكرمةُ عن ابنِ عبَّاس:"لَمَّا نَزَل قَوْلُهُ: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } [النور: 4] قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: وَاللهِ لَوْ أتَيْتُ لُكَاعَ وَقَدْ تَفَخَّذهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أنْ أقْتُلَهُ وَلاَ أُهَيِّجَهُ وَلاَ أُخْرِجَهُ حَتَّى آتِيَ بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، وَلَمْ يَأْتِ بهِمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ وَيَذْهَبَ! فَإنْ قُلْتُ بمَا رَأيْتُ ضَرَبْتُمْ ظَهْرِي ثَمَانِيْنَ جَلْدَةَ!"

فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار ألاَ تَسْمَعُونَ إلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ! ؟"قَالُوا: لاَ تَلُمْهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ ، مَا تَزَوَّجَ امْرَأةً قَطُّ إلاَّ بكْرًا ، وَلاَ طَلَّقَ امْرَأةً فَاجْتَرَأ أحَدٌ مِنَّا أنْ يَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! بأَبي وَأُمي أنْتَ ، وَاللهِ إنِّي لأَعْرِفُ أنَّهَا مِنَ اللهِ وَأنَّهَا لَحَقٌّ ، وَلَكِنَّنِي عَجِبْتُ مِنْ ذلِكَ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"واللهُ يَأْبَى إلاَّ ذلِكَ ؟"فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ.

فَلَمْ يَلْبَثُواْ إلاَّ يَسِيْرًا حَتَّى جَاءَ هِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةً إلَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أصْحَابهِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي جِئْتُ أهْلِي عِشَاءً فَوَجَدْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأتِي يَزْنِي بهَا ، رَأيْتُ بعَيْنِي وَسَمِعْتُ بأُذُنِي. فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا أتَى بهِ ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ حَتَّى عُرِفَ ذلِكَ فِي وَجْهِهِ ، وَقَالَ هِلاَلُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي لأَرَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِكَ لِمَا أتَيْتُكَ بهِ ، وَاللهُ يَعْلَمُ أنِّي لَصَادِقٌ وَمَا قُلْتُهُ إلاَّ حَقًّا ، وإنِّي لأَرْجُو أنْ يَجْعَلَ اللهُ لِي فَرَجًا ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يَضْرِبَهُ الْحَدَّ.

وَاجْتَمَعَتِ الأَنْصَارُ وَقَالُواْ: ابْتُلِيْنَا بمَا قَالَ سَعْدُ عُبَادَةَ إلاَّ أنْ يَجْلِدَ هِلاَلًا. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذلِكَ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُرْيْدُ أنْ يَأْمُرَ بضَرْبهِ ، إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، فَأَمْسَكُواْ عَنِ الْكَلاَمِ حِيْنَ عَرَفُواْ أنَّ الْوَحْيَ قَدْ نَزَلَ. فَلَمَّا فَرَغَ تَلاَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَةَ: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ... } إلَى آخِرِ الآيَاتِ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"أبْشِرْ يَا هِلاَلُ ؛ فَإنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ فَرَجًا"فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أرْجُو ذلِكَ مِنَ اللهِ.

فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"أرْسِلُواْ إلَيْهَا"فَجَاءَتْ ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَذبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَ هِلاَلُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا قُلْتُ إلاَّ حَقًّا وَإنِّي لَصَادِقٌ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"اللهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُمَا كَاذِبٌ ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ ؟"فَقَالَ هِلاَلُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَذبْتُ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"لاَعِنُواْ بَيْنَهُمَا".

فَقِيْلَ لِهِلاَلِ: اشْهَدْ باللهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ إنَّكَ لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ ، فَقَالَ هِلاَلُ: أشْهَدُ باللهِ إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ فِيْمَا رَمَيْتُهَا بهِ ، قَالَ ذلِكَ أرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ:"اتَّقِ اللهَ يَا هِلاَلُ ، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِنْ عَذاب الآخِرَةِ ، وَإنَّ عَذابَ اللهِ أشَدُّ مِنْ عَذاب النَّاسِ ، وَإنَّ هَذِهِ الْخَامِسَةُ هِيَ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكُمَا الْعَذابَ". فَقَالَ هِلاَلُ: وَاللهِ مَا يُعَذِّبُنِي اللهُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَشَهِدَ الْخَامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبيْنَ فِيْمَا رَمَاهَا بهِ مِنَ الزِّنَا.

ثُمَّ قِيْلَ لِلْمَرْأةِ: اشْهَدِي أنْتِ ، فَقَالَتْ أرْبَعَ مَرَّاتٍ: أشْهَدُ باللهِ إنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبيْنَ فِيْمَا رَمَانِي بهِ مِنَ الزِّنَا. فَقَالَ لَهَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الْخَامِسَةِ:"اتَّقِ اللهَ فَإنَّ الْخَامِسَةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ ، وَإنَّ عَذابَ اللهِ أشَدُّ مِنْ عَذاب النَّاسِ"فَسَكَتَتْ سَاعَةً وَهَمَّتْ بالاعْتِرَافِ ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ لاَ أفْضَحُ قَوْمِي ، فَشَهِدَتِ الْخَامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِيْنَ فِيْمَا رَمَاهَا بهِ مِنَ الزِّنَ. فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا ، وَقَضَى أنَّ الْوَلَدَ لَهَا وَلاَ يُدْعَى لأَبٍ.

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَإنْ جَاءَتْ بهِ كَذا وَكَذا فَهُوَ لِزَوْجِهَا ، وَإنْ جَاءَتْ بهِ كَذا وَكَذا فَهُوَ لِلَّذِي قِيْلَ فِيْهِ". فَجَاءَتْ بهِ غُلاَمًا أحْمَرَ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أوْرَقُ عَلَى الشَّبَهِ الْمَكْرُوهِ ، وَكَانَ بَعْدَ ذلِكَ أمِيْرًا عَلَى مِصْرَ لاَ يَدْرِي مَنْ أبُوهُ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت