قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } ؛ أي ما من حيوان يدبُّ ، قال الزجَّاج: (الدَّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيْوَانٍ مُمَيِّزٍ وَغَيْرِهِ ، ذكَرًا كَانَ أوْ أُنْثَى) .
وفي الآيةِ بيانُ أن اللهَ عالِمٌ بالقلوب كلِّها ، وذلك أنه إذا كان ضَامِنًا رزقَ كلَّ دابةٍ في الأرض ، فليس يرزِقُها إلاّ وهو يعلمُ صغيرَها وكبيرها ، من الذرِّ فما فوقَها وما دونَها ، وإذا عَلِمَها فقد عَلِمَ مستقرَّها ومستودَعَها ، المستقَرُّ موضعُ قَرَارِها وهو الموضعُ الذي تَأْوِي إليه ، والمستودَعُ هو الموضعُ الذي تُوَدعُ فيه ، قِيْلَ: إنه الرَّحِمُ ، وَقِيْلَ: هو الموضعُ الذي تُدْفَنُ فيه.
وقال قتادةُ ومجاهد: (أمَّا مُسْتَقَرُّهَا فَفِي الرَّحِمِن وَأمَّا مُسْتَوْدَعُهَا فَفِي الصُّلْب) { كُلٌّ } ؛ ذلكَ عندَ اللهِ ، { فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } ؛ يعني اللوحَ المحفوظ ، والمعنى: أن ذلك ثابتٌ في علمِ الله.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } قال المفسِّرون: فَصْلًا لا وجُوبًا ، والله تَكَفَّلَ بذلك بفضلهِ. قال أهلُ المعانِي (عَلَى) ههُنا بمعنى (من) ، المعنى: إلاَّ مِنَ الله رزقُها. قَوْلُهُ تَعَالَى: { كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } أي رزقُ كلِّ دابَّةٍ وأجلُهأ مكتوبٌ في اللوحِ.
قال ابنُ عبَّاس: (إنَّ مِمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ ، دَفَّتَاهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، كِتَابُهُ نُورٌ وَقَلْبُهُ نُورٌ ، يَنْظُرُ اللهُ تَعَالَى فِيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً ، يَخْلُقُ بكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) ، قال أبو رَوقٍ: (أعْلاَهُ مَعْقُودٌ بالْعَرْشِ ، وَأسْفَلُهُ فِي حِجْرٍ مَلَكٍ كَرِيمٍ يُسَمَّى مَا طُوتُون) .