فهرس الكتاب

الصفحة 1132 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـاذَا } ؛ معناهُ: إنما المشركونَ قَذَرٌ ، وَقِِيْلَ: خَبَثُ. والنَّجَسُ: مصدرٌ أُقِيمَ مقامَ الاسمِ لا يُثَنَّى ولا يُجمَعُ ، يقالُ: رجلٌ نَجَسٌ وامرأَةٌ نَجَسٌ ، ورجال ونساءٌ نَجَس ، ولا يؤنَّثُ ولا يُجمع ؛ فلهذا لم يقل إن المشركينَ أنجاسٌ ، وسَمَّى المشرِكَ نَجَسًا ؛ لأنَّ شِرْكَهُ يجرِي مجَرى القذر في أنه يُجْنَبُ الْجُنُبُ ، كما تُتَجَنَّبُ النجاسات ؛ أي يجبُ التبرُّؤ من المشركين وقطعُ مودَّتِهم.

والنجاسةُ على ضَربين ، نجاسةُ أعيانٍ ، ونجاسةُ الذُّنوب ، وكان الحسنُ يقول: (لاَ تُصَافِحِ الْمُشْرِكِينَ ، فَمَن صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ) ، وقال قتادةُ: (سَمَّاهُمُ اللهُ نَجَسًا لأنَّهُمْ يُجْنِبُونَ وَلاَ يَغْتَسِلُونَ ، وَيُحْدِثُونَ وَلاَ يَتَوَضَّؤوُنَ ، فمُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْمَسَاجِدِ ؛ لأَنَّ الْجُنُبَ لاَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـاذَا } أي لا ينبَغِي لهم أن يقربوهُ للحجِّ والطَّواف بعد هذا العامِ ، وهو العامُ الذي حجَّ فيه أبو بَكرٍ رضي الله عنه ، ونادَى عليٌّ رضي الله عنه فيه ببرَاءَةِ ، وهو سنةُ تسعٍ من الهجرة ، ثم حجَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في العام الثاني حجَّة الوداعِ في سنة عاشرِ من الهجرة. قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } بيانُ أنَّ المرادَ بالآيةِ إبعادُ المشركين عن المسجدِ الحرام ، كما رُوي عن عليٍّ رضي لله عنه أنه كان يُنادي فيهم في العامِ: (ألاَّ لاَ يَطُوفَنَّ بهَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ هذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ وَعُرْيَانٌ) .

قال ابنُ عبَّاس: (فَقَالَ أُنَاسٌ مِنْ تُجَّارِ بَكْرٍ بْنِ وَائِلٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكينَ بَعْدَ قِرَاءَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه هَذِهِ الآيَةَ: سَتَعْلَمُونَ يَا أهْلَ مَكَّةَ إذَا فَعَلْتُمْ هَذَا مَاذَا تَلْقَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ وَمِنْ أيْنَ تَأكُلُونَ ، أمَا وَاللهِ لَتُقَطَّعَنَّ سُبُلُكُمْ ، وَلاَ نَحْمِلُ إلَيْكُمْ شَيْئًا. فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ أهْلِ مَكَّةَ وَشُقَّ عَلَيْهِمْ ، وَألْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوب الْمُسْلِمِينَ حُزْنًا وَقَالَ لَهُمْ: مِنْ أيْنَ تَعِيشُونَ وَقَدْ نَفَى الْمُشْرِكِينَ وَقَطَعَ عَنْكُمُ الْمِيرَةَ ؟ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ كُنَّا نُصِيبُ مِنْ تِجَارَاتِهِمْ ، فَالآنَ يَنْقَطِعُ عَنَّا الأسْوَاقُ وَالتِّجَارَةُ ويَذْهَبُ الَّذِي كُنَّا نُصِيبُهُمْ فِيْهَا ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } ) معناهُ: وإنْ خِفْتُم فَقرًا من إبعادِ المشركين ، { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } بغيرِهم ، فأخْصَبَتْ تَبَالَةُ وَجَرَشُ وحَملوا إلى مكَّة الطَّعامَ والإدامَ ، وأغنَى اللهُ أهلَ مكَّة من تُجَّارِ بني بكرٍ. ورُوي أن أهلَ نَجْدٍ وصنعاءَ من أهلِ اليمَنِ أسلَمُوا وحملوا إلى مكَّة الطعامَ في البحرِ والبرِّ.

والعَيلَةُ: الفقرِ والصِّفَاقِ ، يقالُ: عَالَى الرجلُ يَعِيلُ عليه ، قال الشاعرُ: وَلاَ يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاؤُهُ وَلاَ يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُأي يفتقرُ. وفي مُصحف عبدِالله (وَإنْ خِفْتُمْ عَائِلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) .

وقولهُ تعالى: { إِن شَآءَ } ؛ استثناءٌ ، فجاء عِلمُ اللهِ أنه سيكون لئَلا تترُكَ العبادُ الاستثناءَ في أمورِهم ، ولتنقطعَ الآمالُ إلى اللهِ في طلب الغِنَى منه. قَولُهَ تَعَالَى: { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ؛ أي عليمٌ بخلقهِ وما يُصلِحُهم ، حيكمٌ فيما حكمَ من أمرهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت