قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } ؛ أي أنزلَ من السَّماء المطرَ ، فإن الله تعالى مُنَزَّلُ المطرِ من السماء إلى السَّحاب ، يُنَزِّلُ من السحاب إلى الأرضِ ، كما قال تعالى: { وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكًا } [ق: 9] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } أي فأخرجنا بالمطرِ نَبَاتَ كلِّ صِنْفٍ من أصنافِ الحبُوب معاشًا لَهم.
فإن قيل: كيفَ قال الله تعالى: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } فجعلَ المطر سَبَبًا للنباتِ ، والفاعلُ بالسبب يكون مستعينًا بفعلِ السبب ، واللهُ تعالى مُسْتَغْنٍ عن الأسباب؟
قيل: إنَّما قال اللهُ تعالى: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } ؛ لأن المطرَ سببٌ يؤدِّي إلى النَّبات ، وليس بمولودٍ لهُ ، واللهُ تعالى قادرٌ على إنبات النباتِ بدون المطر ، وإنَّما يكون الفاعلُ بالسبب مستعينًا بذلك السبب إذا لم يُمكنه فعلُ ذلك الشَّيء إلا بذلك السبب ، كما أنَّ الإِنسانَ إذا لم يُمكنه أن يصعَد السطحَ إلا بالسُّلَّمِ ، كان السُّلَّمُ آلةَ الصُّعود ، والطائرُ إذا صعدَ السطح بالسُّلَّمِ ، لم يكن السُّلَّمُ آلةً لهُ ؛ لأنه يُمكنه أن يصعدَ السطحَ بدون السُّلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا } ؛ أي أخرجنَا من المطرِ نباتًا أخضرَ ؛ وهو ساقُ السُّنْبلةِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا } ؛ أي نُخْرِجَ من ساق السُّنبلةِ ، ما قد رَكِبَ بعضُه بعضًا ؛ يعني سنابلَ البُرِّ والشعيرِ والأَرُزِّ والذرَّة وسائرَ الحبوب ، يَرْكَبُ بعضُه بعضًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } ؛ أي عُرُوقٌ قريبةُ المتناول ينالُها القاعدُ. والقِنْوَانُ: جَمْعُ الْقِنْوِ ؛ مثل صِنْوٍ وَصِنْوَانِ. والقِنْوُ: عَذقُ النَّخلةِ والعَذقُ ؛ بفتح العين: النَّخْلَةُ. قال الزجَّاج: (فِي الآيَةِ مَحْذُوفٌ ؛ أيْ دَانيَةٌ وَغَيْرُ دَانِيَةٍ ؛ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بَعِيْدَةَ الْمُتَنَاوَلِ) .
وقرأ الأعرجُ: (قُنْوَانٌ) بضمِّ القاف ؛ وهي لغةُ قيس. وقال مجاهدُ: (مَعْنَى قَوْلِهِ:(دَانِيَةً) أيْ مُتَدَلِّيَةٌ). وقال الضَّحاك: (مُلْزَقَةٌ بالأِرْضِ) .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ } ؛ عطفُ على قوله تعالى: { خَضِرًا } أي وأخرجنا جَنَّاتٍ ؛ أي بساتينَ وأشجارٍ مُلْتَفَّةٍ ، وكل نَبَاتِ مَُتَكَاتِفٍ يَسْتُرُ بعضُه بعضًا فهو جَنَّةٌ ، من جنَّ إذا اسْتَتَرَ. وقرأ الأعمشُ ويحيى بن يعمر وعاصم: (وَجَنَّاتٌ) بالرفعِ عطفًا على (قِنْوَانٌ) لفظًا ، وإن لم تكن في المعنى من جِنْسِهَا ، وكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } بالرفعِ أيضًا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } ؛ أي وأخرجنَا من شجرِ الزَّيتونِ وشجر الرُّمَّانِ ، { مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } أي منها ما يُشْبهُ غيرَه في الصُّورةِ واللَّون ، ومنها ما لا يشبهُ. وَقِيْلَ: معناهُ: متشابهًا في المنظرِ واللَّونِ ، وغيرَ متشابهٍ في الطَّعمِ مثلَ الرُّمَّانِ الحامضِ والْحُلْوِ. والفائدةُ في الجمعِ بين شَجَرِ الزيتونِ وشَجَرِ الرُّمانِ في هذه الآيَةِ: بأنَّهما شجرَتان يشتملُ ورقُهما على الغُصْنِ من أوَّلهِ إلى آخره مشتبهٌ بأوراقِهما ، ومختلفٌ ثِمارهما.