قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى } ؛ وذلكَ أنَّ عبدَالله بن أُمية المخزومي ، وجماعةٌ من كفَّار مكة قالوا: يا مُحَمَّدُ سَيِّرْ لنا جبالَ مكَّة ، فأَذهِبْها حتى تنفسحَ فيها فإن أرضَنا ضيِّقة ، ثم اجعَلْ لنا فيها عُيونًا وأنْهَارًا ، وقرِّبُ أسفَارَنا فيما بيننا وبين الشَّام فإن السفرَ بعيدٌ ، وافعَلْ كما فعلَ سُليمان بالرياحِ بزَعمِكَ ، فأَنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ.
ومعناها: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ } أُذهِبَتْ به الجبالُ عن وجهِ الأرض قُطِّعت به الأرضُ مسيرةَ شهرٍ في يومٍ أو أُحيي به الموتَى فتكلَّموا ، لكان هذا القرآنُ لِمَا فيه من الدَّلالاتِ الكثيرةِ على صحَّة هذا الدِّين ، ولو أمكن أن نجعلَ هذه الأمُورَ لشيءٍ من كُتب الله لأمكنَ بهذا القرآنِ.
وأما حذفُ جواب (لَوْ) في هذهِ الآية فهي على وجهِ الاختصار ؛ لأنَّ في الكلامِ دليلًا عليه. قَوْلُهُ تَعَالَى: { بَل للَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا } ؛ أي بلِ اللهُ هو المالِكُ لهذه الأشياءِ ، القادرُ عليها ، ولكن لا يختار إلا ما فيه مصلحةُ العبادِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ } ؛ معناهُ: أفلَمْ يعلمِ الذين آمَنوا ، { أَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } ؛ إلى الإيمان بالإلجاءِ إليه أن اللهَ تعالى قادرٌ على ذلك ، ولكن لو فَعَلَ لبَطَلَ الامتحانُ والتكليف ، والإياسُ بمعنى العلمِ في لُغة النخَعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ } ؛ أي ولا يزالُ الذين كفَروا في عقوباتٍ مِن قِبَلِ اللهِ يزجرُهم عن الكفرِ ، ويحثُّهم على التمسُّك بدين اللهِ ، كما نَزَلَ بقريش من القَحطِ ، وبقوم فرعونَ من الشدائدِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ } ؛ راجعٌ إلى القَارعةِ ، والقَارعَةُ: هي النَّازلَةُ والشدائدُ التي تنْزِلُ بأمرٍ عظيم ، ويقالُ: أراد بالقارعةِ سَرَايا النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وبقوله { أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا } معناه: أو تَنْزِلُ أنتَ يا مُحَمَّدُ مع أصحابكَ قربيًا من مكَّة تقاتِلُهم على الدِّين ، { حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ } ؛ أي وقتُ إهلاكِ الكفَّار ، وَقِيْلَ: فتحُ مكَّة ، وَقْيَلَ: ما وعدَ اللهُ من عذابهم في الآخرة ، { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } ؛ ما وعدَ من عقاب الكفار.