وقَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ } ؛ أي إنَّ الذينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا على كُفْرِهِمْ لو كانَ لأحدِهم في الآخرة مِلْءُ الأرضِ ذهبًا فافتدَى به لن يُقْبَلَ منهُ ، كما رُوي: أنه يقالُ للكافرِ يومَ القيامة: لو كانَ لكَ مِلْءُ الأرضِ ذهبًا أكُنْتَ تفتدي بهِ مِن العذاب ؟ فيقولُ: نَعَمْ ، فيقالُ له: قد سُئلتَ ما هو أيسرُ عليكَ من هذا فلم تَفْعَلْ؟
وقولهُ تعالى: { ذَهَبًا } نُصِبَ على التفسيرِ في قول الفرَّاء ، ومعنى التفسِير: أن يكون الكلامُ تامًّا وهو مُبْهَمٌ كقولهِ: عندِي عُشْرُونَ فالعددُ معلومٌ والمعدودُ مُبْهَمٌ ، فإذا قلتَ: عُشْرونَ دِرْهَمًا ؛ فسَّرْتَ العددَ ؛ ولذلكَ إذا قلتَ: هو أحْسَنُ الناسِ ؛ فقد أخبرتَ عن حُسْنِهِ ولم تُبَيِّنْ في أيِّ شيءٍ. فاذا قلتَ: وَجْهًا أو فِعْلًا ؛ فَقَدْ بَيَّنْتَهُ ونصبتَ على التَّفسيرِ ، وإنَّما نصبتَهُ لأنَّهُ ليسَ له ما يخفِضُه ولا ما يرفعُه ، فلمَّا خلاَ من هَذين نُصِبَ ؛ لأن النصبَ أخفُّ الحركاتِ ؛ فجُعِلَ لكلِّ ما لا عَامِلَ لهُ.
وقال الكسائيُّ: (نُصِبَ عَلَى إضْمَار(مِنْ ذهَبٍ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { أَو عَدْلُ ذلِكَ صِيَامًا } [المائدة: 95] أيْ مِنْ صِيَامٍ). وقد يقالُ: نُصبَ على التمييزِ ثلاثةُ أشياءٍ: تَمييزُ جملةٍ مبهمَةٍ كما في قولهِ: { أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا } [الكهف: 34] ، وتَمييزُ عددٍ مُبْهَمٍ كقولِكَ: عُشْرُونَ دِرْهَمًا ، وتَمييزُ مِقدارٍ مُبْهَمٍ كما يقالُ: عِنْدِي مِلْءُ زقٍّ عَسَلًا.
وأمَّا دخولُ الواو في قولهِ: { وَلَوِ افْتَدَى بِهِ } ؛ فقال بعضُهم: هي زائدةٌ. وقال الزجَّاج: (لَيْسَتْ بزِائِدَةٍ ؛ وإنَّمَا هِيَ لِتَعْمِيْمِ النَّفْيِ لِوُجُوهِ الْقَبُولِ ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ وَاوًا لأَوْهَمَ الْكَلاَمُ ؛ لأَنَّ ذلِكَ لاَ يُقْبَلُ فِي الإفْتِدَاءِ ، وَيُقْبَلُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الإفْتِدَاءِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ؛ أي أهلُ هذه الصِّفةِ لَهم عذابٌ وَجِيْعٌ في الآخرةِ ، { وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } ؛ أي من مَانِعٍ يَمْنَعُهُمْ مِن العذاب.