فهرس الكتاب

الصفحة 1393 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالُواْ يالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } ؛ فافتَحِ البابَ ودَعْنا وإيَّاهم ، ففتحَ البابَ فدخَلُوا ، فقامَ جبريلُ في الصُّورةِ التي يكون فيها في السَّماء ، فنَشَرَ جناحَهُ وضربَ به وُجوهَهم فطَمَسَ أعيُنَهم وأعمَاهُم ، فصارُوا لا يعرفون الطريقَ ولا يهتَدُون إلى بُيوتِهم.

فقالَ لوطُ عليه السلام متَى مَوعِدُ هَلاَكِهم ؟ قالوا: الصُّبْحَ ، قالَ: أريدُ أسرعَ من ذلك ، فقالوا: أليس الصُّبح بقريبٍ ؟ وذلك قولهُ تعالى: { وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ } [القمر: 37] .

ثُم قالوا له: { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } ؛ وفيه قراءَتان (فَأَسْرِ) بالهمز والوصلِ ، يقال سَرَى وأسْرَى بمعنى واحدٍ ، قَوْلُهُ تَعَالَى: { بِقِطْعٍ مِّنَ الْلَّيْلِ } ؛ أي في آخرِ الليل عند السَّحَرِ والهدوءِ ، وقال الضحَّاك: (بقِطْعٍ أيْ ببَقِيَّةٍ) ، وقال قتادةُ: (بَعْدَ مَا مَضَى صَدْرُهُ) ، { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ } .

قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو (امْرَأَتُكَ) رفعًا على الاستثناءِ من الإلتفات ؛ أي ولا يلتَفِت أحدٌ إلا امرأتُكَ ، فإنَّها تلتفِتُ فتهلَكُ. وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء من الإسراءِ ؛ أي فَاسْر بأهلِكَ إلا امرأتُكَ فلا تَسْرِ بها وخلِّفها مع قومِها. قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ } ؛ ظاهرُ المعنى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ } ؛ أي قالت الملائكةُ: إن وقتَ هلاكِهم ، { الصُّبْحُ } ؛ فقالَ لوط: الآنَ يا جبريلُ ، وإنما ذلكَ لضيقِ صدرِه منهم وشدَّة غَيظِه ، فقالَ جبريلُ: { أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } ، وفي هذا بيانُ أنَّ اللهَ لا يُهلِكُ أحدًا قبلَ انقضاءِ مدَّتهِ ، وإنْ ضَاقَتْ صدورُ أوليائهِ عنه.

وعن ابن عبَّاس: (أنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا قَالَ لِلُوطٍ: فَاسْرِ بأَهْلِكَ بقِطَْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ، قَالَ لُوطُ: يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ أصْنَعُ وَأَبَوابُ الْمَدِينَةِ قَدْ أُغْلِقَتْ ، فجَمَعَ لَهُ جِيْرِيلُ أهْلَهُ وَبَقَرَهُ وَغَنَمَهُ وَمَالَهُ ، وَاحْتَمَلَهُمْ عَلَى جَنَاحِهِ حَتَّى أخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَانْطَلَقَ بهِمْ مُتَوَجِّهًا إلَى صَغَرْ ، وَهِيَ عَلَى أرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَدَائِنِ لُوطٍ ، وَهِيَ إحْدَى الْقَرَى الْخَمْسِ: سَدُومُ وَدَادَ وَمَاو وَعَامُورا وَصَغَرْ ، وَلَمْ يَكُنْ أهْلُ صَغَرْ يَعْمَلُونَ عَمَلَهُمْ ، وَكَانَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ ألْفُ مُقَاتِلٍ ، فَمَا سَارَ لٌُوطُ فَرْسَخَيْنِ حَتَّى سَمِعَ الصَّيْحَةَ) .

كما رُوي أنَّ جبريل عليه السلام جعلَ جناحه في أسفلِها فرَفَعها من الأرضِ السَّابعة إلى السَّماءِ حتى سَمِعَ أهلُ السَّماء نباحَ الكلاب وصياحَ الدِّيَكة ، ثم قلَبَها وجعلَ أسفلها أعلاَها ، وأعلاها أسفَلَها ، وأقبَلَت تَهوِي من السَّماءِ إلى الأرضِ ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } ؛ قال وهبُ: (لَمَّا رُفِعَتْ إلَى السَّمَاءِ أمْطَرَ الله ُعَلَيْهَا حِجَارَةَ الْكِبْرِيتِ بالنَّارِ ، ثُمَّ قُلِبَتْ عَلَيْهِمْ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } قِيْلَ: أمطرَ اللهُ الحجارةَ على شُذاذِهم ومُسافرِيهم. واختلَفُوا في السِّجِِّيلِ ، فقيل: هو فارسيةٌ مُعرَّبَة ، وفيه بيانُ أن تلك الحجارةَ كانت شديدةً صَلِبَةً ، ونحو ما يُطبَخُ من الطِّين فيصيرُ كالآجُرِّ وأصلبَ منه ، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت