فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } الآية. قال مقاتلُ: (كَانَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقِتَالٌ ؛ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلَى الْمَدِيْنَةِ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ، فَافْتَخَرَ بَعْدَ ذلِكَ رَجُلاَنِ: ثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمٍ الأَوْسِيُّ ؛ وَسَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ الْخَزْرَجِيُّ ، فَقَالَ الأَوْسِيُّ: مِنَّا خُزَيْمَةُ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ؛ وَمِنَّا حَنْظَلَةُ غَسَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ ؛ وَمِنَّا عَاصِمُ بْنُ ثَابتٍ حَمَى الدِّيْنَ ؛ وَمِنَّا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِهِ وَرَضِيَ بحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ: مِنَّا أرْبَعَةٌ أحْكَمُواْ الْقُرْآنَ: أبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ؛ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ؛ وَأَبُو زَيْدٍ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ خَطِيْبُ الأَنْصَارِ وَرَئِيْسُهُمْ. فَجَرَى الْحَدِيْثُ بَيْنَهُمْ ؛ فَغَضِبُواْ ، فَقَالَ الْخَزْرَجُ: أمَا وَاللهِ لَوْ تَأَخَّرَ الإسْلاَمُ قَلِيْلًا وَقُدُومُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لَقَتَلْنَا سَادَتَكُمْ وَاسْتَعْبَدْنَا أبْنَاءَكُمْ وَنَكَحْنَا نِسَاءَكمْ بغَيْرِ مَهْرٍ ، فَقَالَ الأَوْسُ: قَدْ كَانَ وَاللهِ الإسْلاَمُ مُتَأَخِّرًا كَثِيْرًا ، فَهَلاَّ فَعَلْتُمْ ذلِكَ حِيْنَ ضَرَبْنَاكُمْ حَتَّى أدْخَلْنَاكُمُ الْبُيُوتَ ، وَتَكَاثَرَا وَتَشَاتَمَا ثُمَّ تَبَادَءا وَاقْتَتَلاَ حَتَّى اجْتَمَعَ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَمَعَهُمُ السِّلاَحُ ، فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِي أُناسٍ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَقَدْ نَهَضَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ. قَالَ جَابرُ: فَمَا كَانَ طَالِعٌ يَوْمَئِذٍ أكْرَمَ عَلَيْنَا مَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَوْمَأَ إلَيْنَا فَكَفَفْنَا فَوَقَفَ بَيْنَنَا ، فَقَرأَ: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ } [آل عمران: 102-103] إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَأُوْلَـائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران: 105] فَأَلْقَى الْفَرِيْقَانِ السِّلاَحَ وَأَطْفَأُوا الْحَرْبَ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الأَرْضِ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ ، وَمَشَى بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ يَأَمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَعَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعضًا يَبْكُونَ ، فَمَا رَأَيْتُ بَاكِيًا أكْثَرَ مِنْ يَوْمَئِذٍ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { بِحَبْلِ اللَّهِ } أي تَمسَّكوا بدينِ الله ، وقيلَ: بالْجَمَاعَةِ. وقال مجاهدُ وعطاءُ: (بعَهْدِ اللهِ) . وقال قتادةُ والسديُّ والضحَّاك: (مَعْنَاهُ: وَاعْتَصِمُواْ بالْقُرْآنِ) . وقَالَ عليٌّ رضي الله عنه: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"كِتَابُ اللهِ هُوَ الْحَبْلُ الْمَتِيْنُ ؛ وَالذِّكْرُ الْحَكِيْمُ ؛ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ"وقال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ هَذا الْقُرْآنَ هُوَ حَبلُ اللهِ الْمَتِيْنُ ؛ وَهُوَ النُّورُ الْمُبيْنُ ؛ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ ؛ وَعِصْمَةُ مَنْ تَمَسَّكَ بهِ ؛ وَنَجَاةُ مَنْ تَبعَهُ"وقال مقاتلُ: (مَعْنَى الآيَةِ: وَاعْتَصِمُواْ بأمرِ اللهِ وَطَاعَتِهِ) . وقال أبو العاليَة: (بإخْلاَصِ التَّوْحِيْدِ للهِ) . وقال ابنُ زيد: (بالإسْلاَمِ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } أي تَنَاصَرُوا في دينِ الله ولا تَتَفَرَّقُواْ فيه كما تَفَرَّقَتِ اليهودُ والنصارى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت