قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } ؛ عَطْفُ على { إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } [النساء: 163] ، كأنه قالَ: إنا أرسلناكَ مُوحِيْنَ إليكَ ، وأرسلنا رُسُلًا قد قَصَصْنَا عليكَ ، ويجوزُ أن يكون مَنْصُوبًا بالفعلِ الذي بعدَه ، كأنهُ قالَ: وقد قَصَصْنَا رُسُلًا عليكَ ، ومعناه: قَصَصْنَاهُمْ ؛ أي سَمَّيْنَاهُمْ لكَ في القُرْآنِ ، وعرَّفناكَ قِصَّتَهُمْ ، { وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } ؛ أي وأرسلنَا رُسُلًا لم نُسَمِّهِمْ لكَ وأمرناهم بالاستقامةِ على التَّوْحِيْدِ ودعوةِ الْخَلْقِ إلى الله.
وعن أبي ذرٍّ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ كَمْ كَانَتِ الأنْبيَاءُ ؟ وَكَمْ كَانَ الْمُرْسَلُونَ ؟ قَالَ: (كَانَتْ الأنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ مَائَةَ ألْفٍ وَأرْبَعَةً وَعِشْرِيْنَ ألْفًا ، وَكَانَ الْمُرْسَلُونَ ثَلاَثَمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ) .
وعن كعب الأحبار أنه قالَ: (الأنبياءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ ألفَا ألفٍ ومائتا الفٍ وخمسَةٌ وعشرون ألفًا ، والمرسلُ ثلاثُمائة وثلاثة عشر. وكان داودُ عليه السلام قد أُنْزِلَ عليه الزبورُ ، وكان يَنْزِلُ إلى البرَِّية ويقرأ الزبورَ ؛ فيقومُ معه علماءُ بني إسرائيلَ خَلْفَهُ ؛ ويقومُ الناسُ خَلْفَ العلماءِ ، وتقومُ الْجِنُّ خلفَ الناسِ ، وتجيءُ الدوابُ التي في الجبالِ إذا سَمعت صوتَ داودَ فِيَقُمْنَ بين يديه تَعَجُّبًا لِمَا يسمعنَ من صوتهِ ، وتجيءُ الطيرُ حتى يُظَلِّلْنَ على داودَ في خلائقِ لا يحصيهنَّ إلاّ اللهُ يُرَفْرِفْنَ على رأسهِ ، وتجيءُ السِّبَاعُ حتى تحيطَ بالدواب والوحشِ لما يسمعنَ ، ولما قَارَنَ الذنْبَ لم يَرَ ذلك ، فقيلَ لهُ: ذلكَ أنْسُ الطاعةِ ، وهذه وَحْشَةُ المعصيةِ.
وعن أبي موسَى الأشعريِّ قالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَوْ رَأيْتَنِي الْبَارِحَةَ وَأَنا أسْتِمِعُ لِقِرَاءَتِكَ ، لَقَدْ أعْطِيْتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيْرِ آلِ دَاوُدَ"فَقَالَ: فَقُلْتُ: أمَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لَوْ عَلِمْتَ أنَّكَ تَسْتَمِعُ لَحَبَّرْتُهُ تَحْبيْرًا. وكان عمرُ رضي الله عنه اذا رأىَ أبَا موسَى عليه السلام قال:"ذكِّرْنَا يَا أبَا مُوسَى"فيقرأهُ عندَهُ". وعن أبي عثمان النَّهْدِيِّ ؛ قالَ: (مَا سَمِعْتُ قَطُّ بُرْبُطًا وَلاَ مِزْمَارًا وَلاَ عُودًا أحْسَنَ مِنْ صَوْتِ أبي مُوسَى ، وَكَانَ يَؤُمُّنَا فِي صَلاَةِ الْغَدَاةِ فَنَوَدُّ أنَّهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ) ."
وفي تفسير الكلبيُّ: (أنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ؛ وَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى النَّاسِ ؛ قَالَ الْيَهُودُ فِيْمَا بَيْنَهُمْ: مَا نَرَى مُحَمَّدًا يَقْرَأُ بمَا أنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى ؛ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إلَيْهِ كَمَا أُوْحِيَ إلَى النَّبِيِّيْنَ مِنْ قَبْلِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ فَقَالُواْ ؛ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ذكَرَهُ فِيْمَنْ ذَكَرَهُ وَفَضَّلَهُ بالْكَلاَمِ عَلَيْهِمْ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى } ؛ وفائدة تخصيصِ موسَى عليه السلام بالكلامِ مع انَّ اللهَ تعالى كَلَّمَ غيرَه من الأنبياءِ ، ؛ لأنه تعالى كَلَّمَهُ من غيرِ واسطةٍ ؛ وَكَلَّمَ غيرَه من الأنبياء بالْوَحْيِ إليهم على لِسَانِ بعضِ الملائكةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { تَكْلِيمًا } ؛ يدلُّ على التأكيدِ كَيْلاَ يحملَ كلامُ الله إياهُ على معنى الوَحْيِ إليه.