قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ } ؛ أي من أعلامِ دينهِ ومتعبداته ؛ وأراد بالشعائر ها هنا مناسكَ الحج. وسببُ نزول هذه الآية: أنَّ أنسَ بن مالك رضي الله عنه قالَ: (كُنَّا نَكْرَهُ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَفَّا وَالْمَرْوَةَ لأنَّهُمَا كَانَا مِنْ مَشَاعِرِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَرَكْنَاهُ فِي الإسْلاَمِ ، فأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .
وقال ابنُ عباس: (كَانَ عَلَى الصَّفَا صَنَمٌ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: إسَافًا ، وَعَلَى الْمَرْوَةِ صَنَمٌ عَلَى صُورَةِ امْرَأةٍ يُقَالُ لَهَا: نَائِلَةً. وَإنَّمَا ذَكَّرُواْ الصَّفا لِتَذْكِيْرِ إسَافَ ، وَأنَّثُواْ الْمَرْوَةَ لِتَأْنِيْثِ نَائِلَةَ ؛ وَزَعَمَ أهْلُ الْكِتَاب أنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَةِ فَمَسَخَهُمَا اللهُ ، فَوَضَعَهُمَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بهِمَا ، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ عُبدَا مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى. وَكَانَ أمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا طَافُواْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مَسَحُواْ الصَّنَمَيْن. فَلَمَّا جَاءَ الإسْلاَمُ كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا لأَجْلِ الصَّنَمَيْنِ ، وَقَالَتْ الأَنْصَارُ: إنَّ السَّعْيَ مِنْ أمْرِ الْجَاهِليَّةِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ } ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } ؛ أي فلا إثم في الطواف بينهما لمكان الأصنام عليهما ، فإن الطواف بينهما واجبٌ. والجُناح هو الإثم ؛ وأصله يتطوَّفُ وأدغمت التاء في الطاء. وقرأ أبو حيوة: (يَطُوفُ بهِمَا) مخففة.
واختلفَ العلماءُ في السعي ؛ فقالَ أبو حنيفة وأصحابهُ والثوري: هو واجبٌ وينجبرُ بالدم. وقال مالكٌ والشافعي: هو فرضٌ ، ولا ينجبرُ بالدم كطوافِ الزيارة. وقال أنسُ بن مالك وابنُ الزبير ومجاهدٌ: هو تطوعٌ إن فعلَهُ فحسنٌ ، وإنْ تركَهُ لم يلزمهُ شيء ، واحتجُّوا بقراءةِ ابن عباس وابن سيرينَ: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ لاَ يَطُوفَ بهِمَا) . وكذلك هو في مصحفِ عبدالله ؛ ويقولهِ بعد ذلك: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) وهذا دليلٌ على أنه تطوُّعٌ.
والجوابُ عنه: أن (لا) صلةٌ كقوله: { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [الأعراف: 12] وقوله: { لاَ أُقْسِمُ } [القيامة: 1] . وحُجة من أوجبهُ: أنَّ اللهَ سَماهما { مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ } . وأما قوله: { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فمعناهُ من زاد على الطواف الواجب. وحجةُ من قال إنه فرضٌ: فتسميةُ الله له من شعائره. قلنا: هذا لا يدلُّ على الفريضة ؛ فإن الله سَمَّى المزدلفةَ المشعر الحرام ؛ ولا خلافَ أنَّ الدم يقومُ مقامه.
وسُمِّي الصَّفَا ؛ لأنه جلسَ عليه صَفِيُّ اللهِ آدم عليه السلام. وسميت المروةُ ؛ لأنَّها جلست عليها امرأته حوَّاءُ ، وأصلُ السعيِ: أنَّ هاجرَ أُمَّ إسماعيلَ لَمَّا عطش ابنها إسماعيل وجاعَ صعدت على الصَّفا فقامت عليه تنظرُ ؛ هل تَرى من أحدٍ ؟ فلم ترَ أحدًا ؛ فهبطت من الصَّفا حتى جاوزتِ الواديَ ورفعت طرفَ دِرعها ثم سعت سعيَ الإنسان المجهودِ حتى جاوزت الوادي ؛ ثم أتتِ المروةَ وقامت عليها ؛ هل ترى أحدًا ؟ فلم ترَ أحدًا ، فعلتْ ذلكَ سبع مراتٍ.
قَوْلُهُ تَعالَى: { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } ؛ قرأ حمزةُ والكسائي: (يَطَّوَّعْ) بالياء وتشديد الطاء والجزم. وكذلك الثاني بمعنى يتطوع. وقرأ عبدالله: (يَتَطَوَّعْ) وقرأ الباقون: (تَطَوَّعَ) بالتاء ونصب العين. ومعنى الآية: ومن زاد في الطواف الواجب. وقال ابنُ زيد: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَاعْتَمَرَ) . وقيل: من تطوع بالحج والعمرة بعد حجته الواجب. وقال الحسن: (فِعْلُ غَيْرِِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ وَصَلاَةٍ وَنَوْعٍ مِنْ أنْوَاعِ الطَّاعَاتِ كُلِّهَا) ؛ { فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } ؛ أي مجاز له بعمله عليمٌ بنيَّته يشكرُ اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير.