فهرس الكتاب

الصفحة 2320 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ } ؛ قال سِيْبَوَيْهِ: (مَعْنَاهُ فِي الْفَرَائِضِ عَلَيْكُمْ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ؛ لأنَّهُ لَوْلاَ ذلِكَ لِنُصِبَ بالأَمْرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: { فَاجْلِدُواْ } ) . والْجَلْدُ في اللُّغة: ضَرْبُ الْجِلْدِ ، يقالُ: جَلَدَهُ ؛ إذا ضَرَبَ جِلدَهُ ورأسَهُ ، إذا ضَرَبَ رَأسَهُ وَبَطْنَهُ ، إذا ضَرَبَ بَطْنَهُ.

ومعنى الآيةِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حُرَّيْنِ بالِغَين عاقلَين بكْرَين غيرِ مُحصنين ، فَاضْرِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ. فأمَّا إذا كانا مَملُوكَين ، فيُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهما خمسونَ جلدةً في الزِّنا لقولهِ تعالى في الإمَاءِ: { فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } [النساء: 25] يعني إذا عَقِلْنَ فعليهنَّ نصفُ حدِّ الحرائرِ.

وإذا كان الزَّانِي مُحصِنًا فحدُّهُ الرجمُ ؛ لأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَجَمَ مَاعِزَ بنَ مالك الأسلمِيِّ بزِنَاهُ ، وكان قد أحْصَنَ. وكانَ عمرُ عليه السلام يقولُ: (إنِّي لأَخْشَى إنْ طَالَ الزَّمَانُ أنْ يَقُولَ قَائِلٌ: لاَ نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَاب اللهِ تَعَالَى ، فَيَضِلُّواْ بتَرْكِ الْفَرِيْضَةِ أنْزَلَهَا اللهُ ، وَقَدْ قَرَأنَا: [الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ] وَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ ، وَلَوْلاَ أنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَاب اللهِ لَكَتَبْتُ ذلِكَ عَلَى حَاشِيَةِ الْكِتَاب) . واجتمعتِ الأمةُ على رجمِ الْمُحْصَنَيْنِ إذا زَنَيَا إلاّ الخوارجَ.

وأما الإحصانُ في هذا فهو أن يكونَ حُرًّا بالِغًا عاقلًا مُسلمًا قد تزوَّجَ قبلَ ذلك نِكاحًا صحيحًا ، ودخلَ بزوجتهِ في وقتٍ كانا جميعًا فيه على صفةِ الإحصانِ ، وهذا قولُ أبي حنيفةَ ومحمَّد ، فإنَّهما يشرُطانِ هذه الشَّرائطَ السبعةَ في إحصانِ الزَّانِي.

وأما أبو يوسُفَ فلا يجعلُ الإسلامَ من شرائطِ الإحصانِ ، ولا يشترطُ كونُهما على صفةِ الإحصانِ وقتَ الدُّخولِ في النكاحِ الصحيح ، فجعلَ الرجلَ البالغَ العاقل المسلمَ مُحْصَنًا بالدخولِ بزوجتهِ الأَمَةِ والصبيَّة والكتابيَّة ، ويجعلُ الزوجينِ الرَّقيقين محصَنين بالدخولِ في النكاحِ الذي بينَهم إذا أُعْتِقَا بعدَ ذلك ، فإن لَم يوجد الدخولُ في ذلك النكاحِ بعد العِتْقِ إلى أن زَنَى واحدٌ منهما ، فهُمَا غيرُ محصَنين عندَهُ.

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه:"أنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَاب جَاءَ إلَى رَسُولِ اللهِ: أنْشُدُكَ اللهُ إلاَّ قَضَيْتَ لِي بكِتَاب اللهِ ، فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ اقْضِ بَيْنَنَا بكِتَاب اللهِ ، فَقَالَ: صلى الله عليه وسلم:"قُلْ"قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيْفًا عَلَى هَذا ، فَزَنَى بامْرَأتِهِ ، وَإنِّي أُخْبرْتُ أنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ ، فَافْتَدَيْتُهُ بمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيْدَةٍ ، فَسَأَلْتُ أهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أنَّ عَلَى ابْنِي مِائَةَ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيْبَ عَامٍ ، وَأنَّ عَلَى امْرَأةِ هَذا الرَّجْمَ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بكِتَاب اللهِ ، الْوَلِيْدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ ، وَاغْدُ يَا أنَسُ إلَى امْرَأةِ هَذا ، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا ، فَاعْتَرَفَتْ ؛ فَأَمَرَ بهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَتْ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت