فهرس الكتاب

الصفحة 616 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } ؛ أي الآنَ تَمَّمَ اللهُ لكم بيانَ الْحَلاَلاَتِ ؛ وهو كُلُّ ما لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ في الْمُحَرَّمَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } ؛ أي ذبائحُ اليهودِ والنصارى حلالٌ لكم.

والدليل على أنَّ المرادَ بالطعامِ ها هنا الذبائحُ: أنَّ ما سِوَى الذبائحِ من الأطعمةِ والأشربةِ حلالٌ للمسلمين ؛ سواءٌ كانت لأهلِ الكتاب أو لغيرهم ، فَبَانَ المرادُ به الذبائحُ ؛ لأنَّ ذبائحَ غيرِ أهل الكتاب من الكفَّار حرامٌ على المسلمينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } ؛ أي ذبائحُكم حلالٌ لَهم ؛ أي رُخِصَّ لكم في أن تُطْعِمُوهُمْ ذلك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } ؛ قال الحسنُ: (أرَادَ بالْمُحْصَنَاتِ هَا هُنَا الْحَرَائِرَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْكِتَابيَّاتِ) . وقال ابنُ عبَّاس: (أرادَ بهِ الْحَرَائِرَ الْعَفَائِفَ مِنْهُنَّ) .

وتقديرُ الآية: وأحِلَّ لكم نكاحُ الْمُحْصَنَاتِ من المؤمناتِ والكتابيَّات ، وقد استدلَّ بعضُ الفقهاءِ بظاهرِ هذه الآية: على أنه لا يجوزُ للمسلم نكاحُ الأَمَةِ الكتابيَّةِ ، والصحيحُ: أنه يجوزُ بظاهرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: { بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } [النساء: 25] بدليلِ حلِّ ذبائحِهن.

وإنَّما خَصَّ الْمُحْصَنَاتِ بإباحةِ نكاحهنَّ مع جواز نكاحِ غيرِهن ؛ لأنَّ الآية خرجت مَخْرَجَ الامتنانِ والْمِنَّةِ في نكاحِ الحرائرِ العفائف أعظمَ وأتَمَّ ، يدلُّ على ذلكَ: أنه لا خلافَ في جواز النكاحِ بين المسلم والأَمَةِ المؤمنةِ ، وإنْ كان في الآيةِ تخصيصُ الْمُحْصَنَاتِ من المؤمنات ، والأفضلُ لمن أرادَ النكاحَ أن لا يَعْدِلَ عن نكاحِ الحرائرِ الكتابيَّات مع القدرةِ عليهنَّ ؛ وذلك لأنَّ نكاح الأمَةِ يؤدِّي إلى إرقاقِ الولد ؛ لأنَّ الولدَ يتبعُ الأَمَةَ في الرِّقِّ والحريَّةِ ، ولا ينبغِي لأحدٍ أن يختارَ رقَّ وَلَدِهِ ، كما لا ينبغي أنْ يختارَ رقَّ نفسهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } ؛ أي ناكحينَ غيرَ زَانينَ معلنينَ بالزِّنَا ، ولا مُتَّخِذِي صديقاتٍ للزِّنا سِرًّا. قال الحسنُ: (كَانَ بَعْضُ الْجَاهِلِيَّةِ تُسَافِحُ وَتَزْنِي بكُلِّ مَنْ وَجَدَ مِنَ النِّسَاءِ ، وَبَعْضُهُمْ يَتَّخِذُ خَلِيْلَةً يَزْنِي بهَا سِرًّا وَيَتَجَنَّبُ الزِّنَا عَلاَنِيَةً ، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى بهَذِهِ الآيَةِ حُرْمَةَ الزِّنَا سِرًّا وَعَلاَنِيَةً) .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (لَمَّا رَخَّصَ اللهُ لِلْمُسْلِمِيْنَ فِي نِكَاحِ الْكِتَابيَّاتِ ؛ قَالَ أهْلُ الْكِتَاب: لَوْلاَ أنَّ اللهَ رَضِيَ أعْمَالَنَا لَمْ يُحِلَّ لِلْمُسْلِمِيْنَ تَزْويْجَ نِسَائِنَا. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كَيْفَ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْكِتَابيَّةَ وَهِيَ كَافِرةٌ ؟ فَأَنْزَلَ { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } مِنَ الْمَغْبُونِيْنَ ، غَبَنَ نَفْسَهُ وَفَسَقَ وَصَارَ إلَى النَّار ، لا يُغْنِي عَنِ الْمَرْأةِ الْكِتَابيَّةِ إسْلاَمُ زَوْجِهَا وَلاَ يَنْفَعُهَا ذلِكَ ، وَلاَ يَضُرُّ الْمُسْلِمَ كُفْرُ زَوْجَتِهِ الْكِتَابيَّةِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت