قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ } ؛ نزلت هذه الآية في عبدِالله بن رواحةَ الأنصاري رضي الله عنه حَلَفَ ألاَّ يدخلَ على خَتَنِهِ بشيرِ بن النعمان الأنصاريِّ ولا يكلِّمه ولا يصلحَ بينه وبين خصمهِ ؛ وجعلَ يقولُ: حَلَفْتُ باللهِ أنْ أفْعَلَ وَلاَ يَحِلُّ لِي إلاَّ أنْ أبَرَّ فِي يَمِيْنِي ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ ، وَقَالَ:"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأى أنَّ غَيْرَهَا خَيْرٌ مِنْهَا ؛ فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ؛ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ ، افْعَلُواْ الْخَيْرَ وَدَعُواْ الشَّرَّ"وكفَّر ابنُ رواحة عن يَمينه ورجعَ إلى الذي هو خيرٌ.
ومعنى الآية: { وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ } علَّة { لأَيْمَانِكُمْ } أي لا تجعلوا اليمينَ باللهِ مانعةً لكم من البرِّ والتقوى ؛ وهو أن يجعلَ الرجلُ اليمينَ مُعْتَرَضًا بينهُ وبين ما هو مندوبٌ إليه أو مأمورٌ به من البرِّ والتقوى والإصلاحِ ؛ يفعلُ ذلك للامتناع من الخيرِ ؛ لأن المعترضَ بين الشيئين يمنعُ وصول أحدهما إلى الآخرِ. ومعنى { أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ } أي لا تَبَرُّواْ ولا تتقوا القطيعةَ ، ولا تُصلحوا بين المتشاجرين كما قال امرؤُ القيس: فَقُلْتُ يَمِيْنَ اللهِ أبْرَحُ قَاعِدًا وَلَوْ قَطَعُواْ رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِيأرادَ بذلك: لا أبرحُ ؛ وكان أبو العباس يُنكر إضمارَ حرفِ النفي في هذه الآية ويقولُ: (هَذَا إنَّما يَكُونُ فِي تَصْرِيْحِ الْيَمِيْنِ) كقولِكَ: واللهِ أقومُ ؛ بمعنى واللهِ لا أقومُ. وأما في مثل هذا الموضعِ ، فلا يجوزُ حذفُ حرفِ النفي. قال: (وَالصَّوَابُ أنَّ مَعْنَاهُ: لاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ كَرَاهَةَ أنْ تَبَرُّواْ) . فحُذفَ المضافَ وأُقِيمَ المضافُ إليه مقامَهُ ؛ ونظيرُ هذا قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ } [النور: 22] .
وذهبَ بعضُ المفسرين إلى أنَّ معنى الآية: { وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ } أي لا تَعْتَرِضُواْ باليمينِ بالله تعالى في كلِّ حقٍّ وباطلٍ ؛ وهو نَهيٌ عن كثرة الحلفِ ، لِما في ذلك من الْجُرْأةِ على الله عَزَّ وَجَلَّ والابتذالِ لاسمه في كلِّ حقٍّ وباطلٍ. يقال: هذه عُرْضَةٌ لكَ ؛ أي عدة لك تبتذلُها فيما تشاءُ. ومعنى { أَن تَبَرُّواْ } على هذا الإثباتِ ؛ أي لا تحلفوا في كلِّ شيء لأَنْ تبرُّوا إذا حلفتم وتتَّقوا الْمَآثِمَ فيها.
ويجوزُ أن يكونَ قولَهُ تَعَالَى: { أَن تَبَرُّواْ } مبتدأ ، وخبرهُ محذوف تقديرهُ ، أنْ تبرُّوا وتتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ؛ أي أوْلَى. فعلى هذا يكون موضعُ { أَن تَبَرُّواْ } رَفْعًا. وعلى التأويلِ الأول يكون نصبًا ؛ لأن معناهُ: لأنْ تَبرُّوا ، موضعهُ نُصب بنَزع الخافضِ.
وقال مقاتلُ: (نَزَلَتْ فِي أبي بَكْرِ الصِّدِّيْقِ رضي الله عنه حِيْنَ حَلَفَ لاَ يَصِلُ ابْنَهُ عَبْدَالرَّحْمَنِ حَتَّى يُسْلِمَ) . وقال ابنُ جريج: (نَزَلَتْ فِي أبي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ رضي الله عنه حِيْنَ حَلَفَ لاَ يُنْفِقُ عَلَى مُسْطَحٍ حِيْنَ خَاضَ فِي حَدِيْثِ الإفْكِ) .
قال المفسرونَ: هذا في الرجلِ يحلفُ بالله أن لا يَصِلَ رَحِمَهُ ، ولا يكلِّمُ قرابتَه ، ولا يتصدَّق ، ولا يصنعُ خيرًا ، ولا يُصْلِحُ بين اثنين. فأمرهُ الله تعالى أن يَحْنِثَ في يمينه ويفعلَ ذلك الخير ويكفِّر عن يمينهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ؛ أي سَميع لأيمانِكم عليم بما تقصدون باليمين عند الحلفِ.