فهرس الكتاب

الصفحة 711 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } ؛ قرأ الحسنُ: (عَبْدُكَ) ، قِيْلَ: معناهُ التبعيضُ ؛ أي إن تُعذِّبَ الذين أقَامُوا على الكفرِ فإنَّهم عبادُك ، { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ } ؛ للَّذين أسلَمُوا وتابوا ، { فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ؛ لأنه قالَ: { أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ } [المائدة: 116] ، وما قلتُ لهم ، وفيهم المسلمون والمشركون ، فقوله: { إِن تُعَذِّبْهُمْ } راجعٌ إلى الكافرين ، وقوله: { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ } راجعٌ إلى المؤمنِين.

عن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في معنى هذه الآيةِ: (وَإنْ تُعَذِّبْهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الَّتِي أجْزَمُوهَا فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ ، وَإنْ يَتُوبُوا فَتَغْفِرَ لَهُمْ) . قولهُ: { فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، أي المنيعُ في مغفرتِكَ لهم لا يمنعُكَ أحدٌ مما تريدُ ، الحكيمُ في أمرِكَ.

فإنْ قيلَ: ظاهرُ الآية يقتضي سؤالَ المغفرةِ للكفَّار ، واللهُ لا يغفِرُ أن يُشركَ به ، فما معنى هذا السؤالِ ؟ قِيْلَ: يحتملُ أنه لم يكن في كتابهِ: إنَّ الله لا يغفرُ أن يُشركَ بهِ ، ويحتملُ أن يكون معناهُ: إنْ تغفِرْ لهم كَذِبَهم الذي قالوا عليَّ.

وَقِيْلَ: إنَّ عيسى عَلِمَ أنه منهم مَن آمنَ ، ومنهم من أقامَ على الكفرِ ، فكأنه قالَ: إن تعذِّب الكفارَ منهم فإنَّهم عبادُكَ ، وأنت القادرُ عليهم ، وإنْ تغفِرْ لِمَن تابَ منهم فذلك تفضُّلٌ منكَ ؛ لأنه كان لكَ أن لا تفعلَ ذلك بهم بعد عظيمِ فِريَتِهم عليكَ ، وكان هذا القولُ من عيسَى عليه السلام على وجهِ الخضوع والانقيادِ والاستسلام على معنى أنَّكَ أنتَ المالكُ والقادر على كلِّ شيء ، فلذلك قالَ: { فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ولو كان قالَ: فإنك أنتَ الغفورُ الرحيم ، لأوْهَمَ الدعاءُ بطلب المغفرة والرحمةِ.

ورُوي: أنه لَمَّا نزَلت هذه الآيةُ ،"أحْيَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَتَهُ بهَا ، وَكَانَ بهَا يَقُومُ وَبهَا يَقْعُدُ وَبهَا يَسْجُدُ ، ثُمَّ قَالَ:"أمَّتِي أمَّتِي يَا رَب"، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إنَّ اللهَ تَعَالَى يُقْرِؤُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَكَ:"إنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءَكَ"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت