فهرس الكتاب

الصفحة 687 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } ؛ قال ابن عبَّاس: (هُوَ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ باللهِ فِي الشَّيْءِ يَرَى أنَّهُ كَذلِكَ) . وقالت عائشةُ: (هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لاَ وَاللهِ ، وَبَلَى واللهِ ، يَصِلُ بهِ كَلاَمَهُ وَلاَ يَعْقِدُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ) . واللَّغْوُ في اللغة: هو الكلامُ الساقطُ الذي لا يعتدُّ به.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ } ؛ أي بما وكَّدتم الأيمان. قرأ أهلُ الحجاز وحفص وأبو عمرو: (عَقَّدْتُمْ) بالتشديدِ ، وقرأ أهلُ الكوفة إلاَّ حفصًا: بالتخفيف (عَقَدْتُمْ) . ومعناه: أن يحِلفَ الرجلُ على أمرٍ في المستقبل ليفعلَهُ ثم لا يفعلهُ ، أو يحلفَ أن لا يفعلَهُ ثم يفعلهُ. فمَن قرأ (عَقَّدْتُمْ) بالتشديدِ فمعناهُ المبالغة والتأكيدُ. وفائدتهُ أن يعتقدَها في قلبهِ ، ولو عقدَها في أحدِهما دون الآخرِ لم يكن مُعتقدًا ، وهو كالتعظيمِ.

وكان أبو الحسنِ الكرخيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى يقول: (قِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ لاَ تَحْتَمِلُ إلاَّ الْعَقْدَ بالْقَوْلِ ، وَقِرَاءَةُ التَّخْفِيفِ تَحْتَمِلُ عَقْدَ الْقَلْْب ، وَهُوَ الْعَزِيْمَةُ وَالْقَصْدُ إلَى الْقَوْلِ) . ويحتملُ عقد اليمينِ قَولًا ؛ يقال: عقدتُ على أمرِ كذا ؛ إذا عزمتُ عليه.

وَقِيْلَ: الأصحُّ أن المرادَ بالعقدِ القولُ ؛ لأنه لا خلافَ بين الأئمَّة أن القصدَ من اليمينِ لا يتعلقُ به وجوبُ الكفَّارة ، وإن وجوبَها متعلقٌ باللفظِ دون القصدِ. ويحتملُ أن يكون معنى التشديدِ: أنه متى أعادَ اليمينَ على وجه التكرار ، وهو يريدُ التكرارَ لا يلزمهُ إلا كفارةٌ واحدة.

وقرأ أهلُ الشام: (عَاقَدْتُمْ) بألف وهو من المعاقَدة ، وهو أن يحلفَ الرجلُ لصاحبهِ على مسأَلته ، أو يحلفَ كلُّ واحد منهما لصاحبهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَكَفَّارَتُهُ } ؛ أي كفَّارة ما عقَّدتُم من الأيمانِ عند الحنثِ ، { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } ؛ أي مِنْ أعدل مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ غداءً وعشاء ولا وكَسَ ولا شَطَطَ.

وَقِيْلَ: معناهُ: من أوسَطهِ في الشَّبع ، ولا تفرطُ في الأكلِ ، ولا يكون دون المغنى عن الجوعِ ، فإن أرادَ أن يُطعِمَهم الطعامَ أعطَى لكلِّ مسكين نصفَ صاعٍ من حنطة عند أصحابنا ، هكذا رُوي عن عمرَ وعليٍّ وعائشة. وقال الشافعيُّ ومالك: (مُدًّا بمُدِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) .

وَالْمُدُّ: رَطْلٌ وَثُلُث ، وهكذا رُوي عن زيدِ بن ثابت وابنِ عبَّاس وابن عمرِو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أجمعين. وأما غدَاؤهم وعشاؤهم فلا عبرةَ بمقدار الطعام ، إلا أن يكون فيهم صبيٌّ صغير لا يستوفِي الأشياءَ يسيرًا فلا يعتدُّ به حينئذ ، وإنما قال: يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهم ؛ لأن ذلك أوسطُ طعامِ الأهل ؛ لأن أكثرَ الأكلِ ثلاثُ مرات ، وأقلُّه وجبة ، والغالبُ الأوسط ؛ والأوسطُ الغالب مرَّتان. وقال سعيدُ بن جبير: (يُعْطِي لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ ؛ مُدٌّ لِطَعَامِهِ وَمُدٌّ لإدَامِهِ) .

وسُئل شريح عن الكفَّارة ؛ فقال: (الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ) . فقال له السائلُ: رأيتَ إن أطعمتُ الخبزَ واللحم ، فقال: (ذَلِكَ أرْفَعُ طَعَامِ أهْلِكَ وَطَعَامِ النَّاسِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت