قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } ؛ وذلك أنَّ سُليمانَ عليه السلام كان يعتادُ طُولَ القيامِ في الصَّلاة ، وكان إذا أعْيَا اتَّكَأَ على عَصاهُ ، فاتَّكَأَ ذاتَ يومٍ على عصاهُ ، فقَبَضَ اللهُ رُوحَهُ ، فبَقِيَ على تلكَ الحالةِ سَنَةً ، والعَمَلَةُ في أعمَالِهم يعملونَ كما هم ولَم يَجتَرِئ أحدٌ أن يَدْنُو منه هيبةً لَهُ.
وقوله { مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } دابَّةُ الأرضِ هي الأَرْضَةُ التي تأكلُ الخشبَ ، وقَوْلُهُ تَعَالَى { مِنسَأَتَهُ } أي عصاهُ التي كان يَتَّكِئُ علَيها.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ } ؛ أي فلمَّا سَقَطَ سليمانُ لتَآكُلِ الْمِنْسَأَةِ ، تَبَيَّنَ الجِنُّ للإنسِ ؛ أي ظَهَرُوا أنَّهم لا يعلمونَ الغيبَ ، فلو عَلِمُوا ما عَمِلُوا له سَنةً وهو ميِّتٌ ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَا لَبِثُواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ } أي في العذاب مِن أعمالِهم الشاقَّة التي كانوا يعملونَها في بناءِ بيتِ المقدس وغيرهِ ، فلمَّا عَلِمُوا بموتهِ لسُقوطِ العصَا ترَكُوا الأعمالَ.
ثُم أن الشياطينَ قالوا للأَرْضَةِ: لو كُنْتِ تأكلينَ الطَّعامَ لآتيناكِ بأطيَب الطعامِ ، ولو كُنْتِ تشرَبينَ الشرابَ لآتيناكِ بأطيب الشراب ، ولَكِنَّا سننقلُ إليكِ الطينَ والماءَ ، فهُمْ ينقلونَ إليها ذلك حيث كانَتْ ، فما رأيتموهُ من الطِّينِ في جَوفِ الخشب فهو مما ينقلهُ الشياطينُ إليها شُكرًا لَها!
وسُميتِ العصا مِنْسَأَةً لأنه يَنْسَأُ بها الغنمُ وغيرهُ ؛ أي يؤَخِّرُ ويطردُ ، يقال: أنْسَأَ اللهُ في أجَلهِ ؛ أي أخَّرَ اللهُ في أجَلهِ. وأكثرُ القرَّاء يقرأون (مِنْسَأَتَهُ) بالهمزةِ ، وقرأ أبو عمرٍو ونافع بتركِ الهمزةِ ، وهما لُغتَانِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى { أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ } أي ظَهَرَ أمرُهم. وَقِيْلَ: في موضع النصب تقديرهُ: عَلِمَتْ وأيْقَنَتِ الجنُّ { أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ } ، وكان الإنسُ قَبْلَ هذا يظنُّونَ أن الشَّياطينَ يعلمونَ السِّرَّ يكون بين اثنَينِ ، فظَهَرَ لَهم يومئذٍ أنَّهم لا يعلمونَ ذلكَ.
قال أهلُ التَّّاريخِ: كان عُمْرُ سليمانَ ثلاثًا وخمسينَ سَنةً ، ومدَّة مُلكهِ أربعون سَنةً ، ومَلَكَ يومَ مَلَكَ وهو ابنُ ثلاثَ عشرةَ سَنةً ، وابتدأ في بناءِ بيت المقدسِ لأربعِ سِنين مَضَينَ من مُلكهِ ، وكان عُمْرُ داودَ مائة وأربعون سنة.