فهرس الكتاب

الصفحة 3515 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ } ؛ هذا مبتدأ وخبرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ } ؛ أي والَّذين معَهُ من المؤمنينِ أشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار ، غِلاَظٌ عليهم ، والأشِدَّاءُ جمعُ الشَّديدِ ، وهو قويُّ في دينِ الله تعالى ، القويُّ على أعداءِ الله ، كانوا لا يَمِيلُونَ إلى الكفَّار لقَرابَةٍ ولا غيرِها ، بل أظهَرُوا لهم العداوةَ في الدينِ ، وكانوا على الكفَّار كالأَسَدِ على فرسهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } ؛ أي مُتَوادِدُون فيما بينَهم ، مُتعَاطِفُون حتى أنَّهم كانوا بعضَهم لبعضٍ كالوالدِ لولدهِ ، والعبدِ لسيِّدهِ ، وقولهُ تعالى: { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا } ؛ أي رَاكعين وساجِدين يُكثرون الصلاةَ للهِ ، { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } ؛ يعني الجنَّةَ ، ورضَى اللهِ تعالى.

قولهُ: { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } ؛ أي علامةُ التهَجُّد ظاهرةٌ على وجوهِهم من كَثرَةِ السُّجود بالليلِ ، والمعنى يتبيَّن في وُجوهِهم أثرُ السَّهَرِ ، قال الضحَّاك: (إذا سَهِرَ أصْبَحَ مُصْفَرًّا) وقال عطيَّةُ: (مَوَاضِعُ السُّجُودِ أشَدُّ بَيَاضًا فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . وقال مجاهدُ: (يَعْنِي الأَثَرُ: الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ وَالسَّمْتُ الْحَسَنُ) . وقال عكرمةُ: (هُوَ التُّرَابُ عَلَى الْجِبَاهِ لأَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ عَلَى التُّرَاب لاَ عَلَى الثِّبَاب) .

وقال الحسنُ في وصفِهم: (إذا رَأيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ مَرْضَى ، وَمَا بالْقَوْمِ مَرَضٌ ، وَيَقُولُ: لَعَلَّهُمْ خُولِطُواْ فِي عُقُولِهِمْ ، وَاللهِ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أمْرٌ عَظِيمٌ) . يريدُ بذلك ما في قلوبهم من خوفِ الآخرةِ.

وقال بعضُهم: { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } هو نورٌ يجعلهُ الله في وجوهِهم يومَ القيامةِ ، يُعرَفون بتلك العلامةِ أنَّهم سجَدُوا في الدُّنيا كما قالَ اللهُ { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [آل عمران: 106] ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"تُحْشَرُ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَار الْوُضُوءِ".

وقال منصورُ: (سَأَلْتُ مُجَاهِدَ عَنْ قَوْلِهِ: { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } قَالَ: لَيْسَ هُوَ الأَثَرُ الَّذِي يَكُونُ فِي جَبْهَةِ الرَّجُلِ مِثْلَ رُكْبَةِ الْبَعِيرِ ، فَقَدْ يَكُونُ ذلِكَ برَجُلٍ هُوَ أقْسَى قَلْبًا مِنَ الْحِجَارَةِ ، وَلَكِنْ هُوَ نُورٌ فِي وُجُوهِهِمْ مِنَ الْخُشُوعِ) . وقال ابن جُريج: (هُوَ الْوَقَارُ) ، وقال سَمُرة: (هُوَ الْبَهَاءُ) ، وقال سفيانُ: (يُصَلُّونَ باللَّيْلِ ، فَإذا أصْبَحُوا عُرِفَ ذلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ ؛ بيانهُ قولهُ عليه السلام:"مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ باللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بالنَّهَار"ورُوي في بعضِ الأخبار:"أنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِِيَامَةِ: يَا نَارُ أنْضِجِي ، يَا نَارُ أحْرِقِي وَمَوْضِعَ السُّجُودِ لاَ تقرَبي".

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ } ؛ أي ذلك الَّذي ذكرَهُ في القرآنِ مَن وصفَهم هو ما وُصِفوا به في التَّوراةِ ، { وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ } ؛ أيضًا ، ثم ذكَرَ اللهُ وَصْفَهم في الإنجيلِ: { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } ؛ أي سبيلَهُ ، وقال ابنُ زيدٍ: (أوْلاَدَهُ) . والشَّطْأُ: فِرَاخُ الزَّرعِ ، يقالُ: الشَّطْأُ الزَّرْعُ أنْ يُخْرِجَ سَبْعًا أو ثَمَانيًا أو عَشْرًا ، وهذا مثَلٌ ضربَهُ اللهُ لأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، يعني أنَّهم يكُونون قَليلًا ثم يَزدَادون ويَكثَرون ويَقْوَوْنَ ، قال قتادةُ: (مَكْتُوبٌ فِي الإنْجِيلِ: أنَّهُ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَبَاتَ الزَّرْعِ ، يَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت