فهرس الكتاب

الصفحة 2149 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا } ؛ يعني يُونُسَ بْنَ مَتَّى أحْبَسَهُ الله في بَطْنِ النُّونِ ، وهو الحوتُ ، ومعنى الآية: وَاذْكُرْ ذا الحوتِ إذْ ذهَبَ مُغَاضِبًا لقومهِ. روي: أنهُ خرجَ مِن بينهم قَبْلَ أن يؤذنَ له في الخروجِ ، وكان خروجهُ من بينهم خطيئةً ، وإنَّما خرجَ منهم على تركِهم الإيْمانَ به ، هكذا رُوي عن ابنِ عبَّاس والضحَّاك.

وَقِيْلَ: كان يونسُ وقومُهُ يسكنون فلسطين فعداهم مَلِكٌ فسبَى منهم خَلْقًا كثيرًا ، فأوحَى اللهُ إلى أشعيا النبيِّ عليه السلام: إذْهَبْ إلى الملكِ حزقيا فقُل له: تَوِّجْهُ نبيًّا قويًا أمينًا ، فإنِّي أُلقِي في قلوب أولئك التخلية حتى يُرسلوا معه بني إسرائيل ، فقال الملكُ: مَن ترى يرسلُ ؟ وكان في مَملكته خمسةً من الأنبياءِ ، فقال لهُ: أرسِلْ يونسَ فإنه قويٌّ أمين ، فأتى الملكَ يونسُ فأخبرَهُ أن يخرجَ ، فقال يونسُ: هل أمَرَكَ اللهُ بإخراجي ؟ قال: لاَ ، فقال: فهل سَمَّانِي لكَ ؟ قال: لا ، قال: فهنا أنبياءٌ غَيري أثوياءُ أمناءُ ، فألَحَّوا عليه فخرجَ مُغاضِبًا للنبيِّ والملكِ ولقومه.

فأتَى بحرَ الرُّوم ، فإذا سفينةٌ مشحونةٌ فرَكِبَ مع أصحابها ، فلما صارت في لُجَّةِ البحرِ انكفأَتْ حتى كادوا يغرَقون ، فقال الملاَّحون: ها هنا عبدٌ آبقٌ عاصٍ ، فاقترِعُوا ، فمَن وقعت عليه القرعةُ ألقيناهُ في البحرِ ، لئن يغرقَ واحدٌ منَّا خيرٌ مِن أن تغرقَ السفينةُ بما فيها. فاقترعوا ثلاثًا فوقعت القرعةُ كلُّها على يونسَ ، فقال يونسُ: أنا الرجلُ العاصي والعبدُ الآبقُ ، وألقَى نفسَهُ في الماءِ. فجاءَ حوتٌ فابتلعه ، ثُم جاء حوتٌ آخر أكبرَ منه فابتلعَ الحوتَ أيضًا. فأوحىَ الله إلى الحوتِ لا تُؤْذِي منه شعرةً ، فإنِّي قد جعلتُ بطَنَكَ سِجْنَهُ ، ولَم أجعلْهُ رزْقًا لكَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } ، بالعقوبةِ ، يقال قَدَرَ اللهُ الشيءَ وَقَدَّرَهُ ؛ أي قَضَاهُ. وَقِيْلَ: معناه: فَظَنَّ أن لن نُضَيِّقَ عليه السجنَ ، من قولهِ تعالى: { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } [الطلاق: 7] أي ضُيِّقَ ، وَقولهِ { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ } [الروم: 37] ، وقد ضَيَّقَ اللهُ على يونس أشدَّ تضييقٍ. وَقِيْلَ: معناهُ: { فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } ما قَدِرْنَا من كونه في بطنِ الحوت.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ } ؛ قال ابنُ عباس: (هِيَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ وَظُلْمَةُ بَطْنِ الْحُوتِ) ، وقال سالِمُ ابن أبي الْجَعْدِ: (كَانَ حُوتًا فِي بَطْنٍ حُوتٍ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } ؛ أي الظَّالِمين لنفسِي في خُروجي من قومي قبلَ الإذن. قال الحسنُ: (وَهَذا مِنْ يُونُسَ اعْتِرَافٌ بذنْبهِ ، وَتَوْبَتِهِ مِنْ خَطِيْئَتِهِ ، تَابَ إلَى رَبهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ وَرَاجَعَ نَفْسَهُ) . قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لاَ يَقُولُهَا مَكْرُوبٌ إلاَّ فَرَّجَ اللهُ عَلِيْهِ ، كَلِمَةُ أخِي يُونُسَ: لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت