قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا } ؛ أي فمَضَيا حتى إذا رَكِبَا في السفينةِ خَرَقَهَا الخضرُ ، وذلك أنَّهما لَمَّا مشَيَا على الساحلِ مرَّت بهما سفينةٌ ، فكلَّمُوهم أن يحملوهما بغيرِ أُجرة. قال ابنُ عبَّاس: (فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِيْنَةِ أخَذ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأْسًا ، أوْ مِنْقَارًا وَأكَبَّ عَلَى السَّفِيْنَةِ يَخْرِقُهَا ، فَقَالَ لَهُ أهْلُ السَّفِيْنَةِ: نَنْشُدُكَ اللهَ أنْ لاَ تَخْرِقَهَا ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْداللهِ لاَ يَحِلُّ لَكَ هَذا ، فَإنَّكَ تُغْرِقُهُمْ ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ الْخَضِرُ حَتَّى خَرَقَ السَّفِيْنَةَ) .
قِيْلَ: إنهُ قَلَعَ لوحين مما يلِي الماءَ ، فحشَاهما موسى بثوبهِ و { قَالَ } ؛ منكرًا عليهِ: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } ؛ أي مُنْكَرًا ، ثم تَنَحَّى موسى فجلسَ ، وقالَ: ما أصنعُ في اتِّباع هذا الرجلِ الذي يظلمُ الناسَ؟! كنتُ في بني اسرائيلَ أقرأُ عليهم التوراةَ بُكْرَةً وعشيَّة ويقبَلُون منِّي ، فتركتُ ذلكَ وصَحِبْتُ هذا الظالِمَ...
فقال له الخضرُ بعد ما أخرجَ أهلُ السفينةِ متاعهم إلى الساحل: أتدري ما تحدث به نفسك ؟ قال: ما هو ؟ فأخبره بما حدَّث به نفسه ، ثُم { قَالَ } ؛ له الخضرُ: { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } ؛ أي لِمَا تركتُ من عهدِك ووصيَّتِك ، وَقِيْلَ: أرادَ به النسيانَ الذي هو ضدُّ الذِّكر.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } أي لا تُكلِّفْني مشقَّةً ، وعامِلني باليُسْرِ لا بالعسرِ ، ولا تضيِّقْ عليَّ في صُحبتِي إياكَ. وأصلُ الرَّهَقِ: الْغَشَيَانُ ، يقالُ: رَهَقَ الفارسُ فلانًا إذا غَشِيَهُ فأدركَهُ.