قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ } ؛ أي { اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } أي اصبروا على أداءِ الفرائضِ ، واجتناب الْمَحَارمِ ، وصَابرُوا أعداءَكم في الجهادِ في مقاتَلَتِهم ، ورَابطُوا خُيُولَكُمْ على الجهادِ. والرِّبَاطُ وَالْمُرَابَطَةُ: أن يَرْبُطَ كلُّ واحدٍ من الفريقين خُيُولَهُمْ في الثَّغْرِ. وقيل: الْمُرَابَطَةُ: الْمَحُافَظَةُ على الصلواتِ.
قال أبُو هريرةَ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أَلاَ أخْبرُكُمْ بمَا يَمْحُو اللهُ بهِ الْخَطَايَا ، وَيَرْفَعُ بهِ الدَّرَجَاتِ ؟"قَالُواْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، قال:"إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارهِ ؛ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ ؛ وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ".
وقال الضحَّاك: (مَعْنَى الآيَةِ: يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اصْبُروا عَلَى أمْرِ اللهِ) . وقال الكلبيُّ: (اصْبرُواْ عَلَى الْبَلاَءِ) ، وقالتِ الحكماءُ: الصَّبْرُ ثَلاَثَةُ أشْيَاءٍ: تَرْكُ الشَّكْوَى ؛ وَصِدْقُ الرِّضَا ؛ وَقَبُولُ الْقَضَاءِ. وقيل: الصَّبْرُ: هو الثَّبَاتُ على أحكامِ الكتاب والسُّنة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَصَابِرُواْ } الْكُفَّارَ { وَرَابطُواْ } بمعنى دَاومُوا وأثْبُتُوا. قَالَ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ رَابَطَ يَوْمًا فِي سَبيْلِ اللهِ كَانَ كَصِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَمَنْ تُوُفِّيَ فِي سَبيْلِ اللهِ أجْرَى اللهُ لَهُ أجْرَهُ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّار ، وَمَنْ رَابَطَ يَوْمًا فِي سَبيْلِ اللهِ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّار سَبْعَةَ خَنَادِقَ ؛ كُلُّ خَنْدَقٍ مِنْهَا كَسَبْعِ سَمَوَاتٍ وَسَبْعِ أرْضِيْنَ"
قال بعضُهم في هذه الآيةِ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ } عِنْدَ قِيَامِ النَّفِيْرِ عَلَى احْتِمَالِ الْكُرَب ، { وَصَابِرُواْ } عَلَى مُقَاسَاةِ الْعَنَاءِ وَالْتَّعَب ، { وَرَابِطُواْ } فِي دَار أعْدَائِي بلاَ هَرَبٍ ، واتقوا عدوَّكم من الألتفاتِ الى السَّبب لكي تُفْلِحُوا غدًا بلقائي عند بسَاطٍ القُرَب. وقال السري السقطي: (اصْبرُواْ عَلَى الدُّنْيَا رَجَاءَ السَّلاَمَةِ ، وَصَابرُواْ عِنْدَ القِتَالِ بالثَّبَاتِ وَالاسْتِقَامَةِ ، وَرَابطُوا هَوَى النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ، وَاتَّقُوا مَا يَعْقِبُ لَكُمُ النَّدَامَةَ ، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ؛ غَدًا على بسَاطِ الكرامةِ.
وقيل: معناهُ: اصبروا على بلائِي ، وَصَابرُوا بالشُّكر على نَعْمَائِي ، ورَابطُوا في دار أعدائي ، واتَّقوا مَحَبَّةَ مَن سِوَايَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بلقائِي. وقيل: اصْبرُوا على البغضاءِ ؛ وصابرُوا على البَأْسَاءِ والضرَّاء ؛ ورابطوا في دار الأعداءِ ؛ واتَّقُوا إلَهَ الأَرضِ والسَّماء ؛ لَعَلَّكُمْ تفلحون في دار البقاءِ. وعن جعفرِ الصَّادق قالَ: (مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ: اصْبرُوا عَلَى الْمَعَاصِي ؛ وَصَابرُوا مَعَ الطَّاعَاتِ ؛ وَرَابطُوا الأَرْوَاحَ بالْمَسَاجِدِ ، وَاتَّقُوا اللهَ لِكَي تَبْلُغُوا مَوَاقِفَ أهْلَ الصِّدْقِ ؛ فَإنَّهَا مَحَلُّ الْفَلاَحِ) . واللهُ أعْلَمُ.