فهرس الكتاب

الصفحة 3828 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } ؛ اختلف المفسِّرون في معنى العودِ المذكور في الآية ، فذهبَ أصحابُ الظَّواهرِ إلى أنَّ المرادَ به إعادةُ كلمةِ الظِّهار ، وهذا قولٌ مخالف لقولِ أهلِ العلم ، وقد أوجبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكفارةَ على أوسٍ حين ظاهرَ من امرأتهِ ، ولم يسأَلْ أكرَّرَ الظهارَ أم لا؟.

وذهبَ مالكُ إلى أن العَوْدَ هو العزمُ على الوطئِ ، قال: (وَإذا عَزَمَ عَلَى وَطْئِهَا بَعْدَ الظِّهَار فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، سَوَاءٌ أمْسَكَهَا أوْ أبَانَهَا أوْ عَاشَتْ أوْ مَاتَتْ) . وقال الشافعيُّ: (الْعَوْدُ هَا هُنَا هُوَ الإمْسَاكُ عَلَى النِّكَاحِ ، إذا أمْسَكَهَا عُقَيْبَ الظِّهَار وَلَمْ يُطَلِّقْهَا ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ تِلْكَ الْكَفَّارَةُ وَإنْ أبَانَهَا بَعْدَ ذلِكَ.

وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ إلى أنَّ معنى العَوْدِ هو أن يعودَ المقولُ فيه فيستبيحُ ما حرَّمَهُ بالظهار ، وقد يُذكَرُ المصدرُ ويراد به المقولُ كما قال صلى الله عليه وسلم:"الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْب يَعُودُ فِي قَيْئِهِ"وإنَّما هو عائدٌ في الموهوب. ويقالُ: اللهُمَّ أنتَ رجَاؤُنا ؛ أي مَرجُوُّنا ، وقال تعالى: { حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر: 99] أي الْمُوقَنُ بهِ ، والعَوْدُ في الشَّيءِ هو فعلُ ما ينقاضُ ذلك الشيءَ ، وحروفُ الصِّفات يقومُ بعضها مقامَ بعضٍ كما في قولهِ تعالى: { وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } [طه: 71] ، فيكون المعنى: ثُمَّ يعُودون فيما قَالُوا.

والإمساكُ على النِّكاح عُقيبَ الظِّهار لا يكون عَوْدًا على وجهِ التَّراخي ولا يناقضُ لفظَ الظِّهار ، فإنَّ الظهارَ لا يوجِبُ تحريمَ العقدِ حتى يكون إمساكُها على النكاحِ عَوْدًا ، ثم على مذهب أبي حنيفةَ: إذا قصدَ أن يستبيحَها ثم أبانَها سقطَتِ الكفارةُ عنه.

وفي قولهِ تعالى: { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } دليلٌ على أنَّ هذه الكفارةَ إنما شُرِعَتْ لدفعِ الْحُرمَةِ في المستقبلِ ، وفيه دليلُ تحريمِ التَّقبيلِ واللَّمسِ قبلَ التكفيرِ ؛ لأنَّ قولَهُ تعالى: { مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } يتناولُ جميعَ ضُروب الْمَسِيسِ.

وفي قولهِ تعالى: { مِن نِّسَآئِهِمْ } دليلٌ على أنَّ الظِّهارَ لا يكون في الإماءِ إلاّ إذا كُنَّ زوجاتٍ ؛ لأنَّ إطلاقَ لفظِ النساء ينصرفُ إلى الحرائرِ كما في قولهِ تعال: { أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } [النور: 31] . وفي قولهِ تعالى: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } دليلٌ على جواز إعتاقِ الرَّقبة الكافِرة في الظِّهار ؛ لأن ذِكرَ الرَّقبة مطلقٌ في الآيةِ ، بخلافِ كفَّارة القتلِ.

والأصلُ في الظِّهار أنه إذا ذكرَ في المرأةِ ما يجمَعُها مثلُ الجسدِ والبدن والرأسِ والرَّقبة ونحوها ، والظهرِ والبطن والفرجِ والفخذ وشبَّهَها بمحارمهِ كان مُظَاهِرًا. وإنْ قال: أنتِ علَيَّ كَيَدِ أُمِّي أو رجلِها ، أو قال: يدُكِ علَيَّ أو شَعرُكِ عليَّ كظهرِ أُمي كان بَاطلًا.

وقال مالكُ: (يَصِحُّ الظِّهَارُ بالتَّشْبيهِ بالأَجْنَبيَّةِ) . وقال الشعبيُّ: (لاَ يَصِحُّ الظِّهَارُ إلاَّ بالأُمِّ) ، وقال الشافعيُّ: (إذا قَالَ: يَدُكِ ، أوْ قَالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَيَدِ أُمِّي ، فَهُوَ ظِهَارٌ) . { ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت