{ الـم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ (ألم) . فمَن جعلَ هذه الحروفَ التي في أوائلِ السُّورة قَسَمًا ، احتملَ أن يكون جوابُ القَسَمِ في قولهِ: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } [العنكبوت: 3] ؛ واحتملَ أن يكون { فَلَيَعْلَمَنَّ } [العنكبوت: 3] .
وقولهُ تعالى: { أَحَسِبَ النَّاسُ } لفظةُ استخبارٍ ، ومعناهُ التوبيخُ والتقرير ، كأنه قالَ: أظَنُّوا أن نقنَعَ منهم بأنْ يقولُوا آمَنَّا فقط ولا يُمتَحَنُونَ بالأوامرِ والنَّواهي والتَّكليفِ ، ولا يُختَبَرُونَ بما يعلم أنه صِدْقُ إيْمانِهم.
قال الحسنُ رضي الله عنه: (سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمَّا أُصِيْبَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَتِ الْكَرَّةُ عَلَيْهِمْ ، عَيَّرَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بذلِكَ ، فَشُقَّ ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . قال السديُّ وقتادة ومجاهدُ: (مَعْنَاهُ: أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُواْ أنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) فِي أمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ بالْقَتْلِ وَالتَّعْذِيْب).
وقال مقاتلُ: ("نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي مَهْجَعِ بْنِ عَبْدِاللهِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب رضي الله عنه وَكَانَ أوَّلَ قَتِيْلٍ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ يَوْمَ بَدْرٍ ، رَمَاهُ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ بسَهْمٍ فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ النَّبيُّ:"سَيِّدُ الشُّّهَدَاءِ مَهْجَعُ ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ يُدْعَى إلى بَاب الْجَنَّةِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ"فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَوَاهُ وَامْرَأتَهُ"، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ وَأخْبَرَ أنَّهُ لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْبَلاَءِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ذاتِ اللهِ) .