فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ } ؛ الآية ، لَمَّا سبقَ في السورة ذكرُ أحكامٍ كثيرة أثنى اللهُ على مَن آمن بها وقَبلَهَا ، وقال عَزَّ من قائلٍ: { ءَامَنَ الرَّسُولُ } بجميعِ الأحكامِ التي أنزلَها اللهُ تعالى ، وكذلك المؤمنونَ كلُّهم آمنوا باللهِ ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَلائِكَتِهِ } ؛ إنَّما أتى بالملائكةِ لأن حَيًّا من خُزاعة كانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ اللهِ ، فقالَ صلى الله عليه وسلم:"وَالْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ: إنَّ الْمَلاَئِكَةَ عِبَادُ اللهِ".

قولهُ: { وَكُتُبِهِ } ؛ قرأ ابن عباس وعكرمةُ والأعمش وحمزة والكسائيُّ وخَلَفُ: (وَكِتَابهِ) بالألفِ. وقرأ الباقون (وَكُتُبهِ) بالجمعِ ، وهو ظاهرٌ كقوله { وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسِلِهِ } . وللتوحيدِ وجهان ؛ أحدُهما: أنَّهم أرادوا القرآنَ خاصَّةً ، والثاني: أنَّهم أرادوا جميعَ الكُتُب ؛ كقول العرب: كَثُرَ الدرهمُ والدينار في أيدي الناسِ ، يريدون الدراهمَ والدنانيرَ. يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ } [البقرة: 213] .

وقَوْلُهُ تََعَالَى: { وَرُسُلِهِ } ؛ قرأ الحسن: (وَرُسْلِهِ) بسكونِ السين لكثرةِ الحركات ؛ { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } ؛ أي لا نفعلُ كما فعلَ أهلُ الكتاب آمنوا ببعضِ الرسل وكفروا ببعضٍ. وفي مُصحفِ عبدِالله: (لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) . وقرأ جُرير بن عبدالله وسعيدُ بن جبيرٍ ويحيى بن يَعْمُرَ ويعقوبُ: (لاَ يُفَرِّقُ) بالياءِ ، بمعنى لا يفرِّقُ الكلَّ ، ويجوزُ أن يكون خبرًا عن الرسولِ. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القولِ ؛ تقديرهُ: قالوا لا نُفَرِّقُ ، كقولهِ تعالى: { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم } [الرعد: 23-24] ؛ أي يقولون: سلامٌ عليكم.

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } ؛ أي سَمعنا قولَك وأطَعنا أمرَكَ. وقيل: معنى { وَأَطَعْنَا } قَبلْنَا ما سَمعنا ؛ بخلافِ ما قالتِ اليهودُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } ؛ أي اغْفِرْ غُفْرَانَكَ يَا رَبَّنَا. وقيل: معناهُ: نسألُكَ غفرانَك. والأول مصدرٌ ، والثاني مفعولٌ. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } أي نحنُ مقرُّون بالبعثِ. ومعنى قوله: { وَإِلَيْكَ } أي إلى جَزَائِكَ ؛ وهذا كما قالَ عَزَّ وَجَلَّ حكايةً عن إبراهيمَ عليه السلام: { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الصافات: 99] أي إلى حيثُ أمرُ رَبي.

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } ؛ قرأ إبراهيمُ بن أبي عبلةَ: (إلاَّ وَسِعَهَا) بفتحِ الواو وكسرِ السين على الفعلِ ؛ يريدُ إلا وَسِعَهَا أمرُهُ.

ومعنى الآيةِ: { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا } فَرْضًا من فروضها من صومٍ أو صلاة أو صدقةٍ أو غير ذلك من حديثِ النفسِ ؛ إلا مقدارَ طاقتها كما قالَ صلى الله عليه وسلم لِعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ:"صَلِّ قَائِمًا ؛ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ؛ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبكَ تُومِئُ إيْمَاءٌ".

قال قومٌ: لو كلَّفَ اللهُ العبادَ فوقَ وسعِهم لكان ذلك لهُ ؛ لأن الخلقَ خلقهُ والأمرَ أمره ، ولكنه أخبرَ أنه لا يفعلهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت