قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } ؛ اختلَفُوا في الذي سأَلُوا عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قال بعضُهم: سأَلوهُ عن جبريلَ قد سَمَّاهُ اللهُ روحًا في قولهِ تعالى { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا } [الشورى: 52] ، وعن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: (إنَّ الرُّوحَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ وَجْهٍ ، فِي كُلِّ وَجْهٍ سَبْعُونَ ألْفَ لِسَانٍ يُسَبحُ اللهَ تَعَالَى بكُلِّ لِسَانٍ مِنْ هَذِهِ الأَلْسِنَةِ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذلِكَ الْمَلَكِ) .
وعن عبدِالله بن مسعود قال: (كُنْتُ أمْشِي مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَمَرَّ بقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اسْأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تَسْأَلُوهُ ، ثُمَّ أتَاهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ فَقَالُواْ لَهُ: يَا أبَا الْقَاسِمِ مَا تَقُولُ فِي الرُّوحِ ؟ فَسَكَتَ ، ثُمَّ قَامَ فَاشْتَدَّ بيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَحْيٌ ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ... } الآية) .
وعن ابن عبَّاس: (أنَّ الْيَهُودَ اجْتَمَعُواْ فَقَالُواْ لِقُرَيْشٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا فِي ثَلاَثٍ ، فَإنْ أخْبَرَكُمْ باثْنَيْنِ وَأمْسَكَ عَنِ الثَّالِثَةِ فَهُوَ نبيٌّ ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ مَضَوا فِي الزَّمَانِ ، وَعَنْ رَجُلٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ، وَاسْأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَسَأَلُوهُ عَنْ ذلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الْفِتْيَةِ { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ } [الكهف: 9] ... إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ ، وَأنْزَلَ اللهُ { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ } [الكهف: 83] ... إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ ، وَأنْزَلَ اللهُ فِي الرُّوحِ { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ... } الآيَةُ ، وإنَّمَا سَأَلَتْهُ الْيَهُودُ عَنِ الرُّوحِ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ قِصَّتُهُ وَلاَ تَفْسِيرُهُ ، وَلَيْسَ فِيهَا إلاَّ ذِكْرُ اسْمِهِ الرُّوحُ) .
وقال سعيدُ بن جبير: (لَمْ يَخْلُقِ اللهُ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الرُّوحِ غَيْرَ الْعَرْشِ ، لَوْ شَاءَ أنْ يَبْلَعَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرْضَ السَّبْعِ وَمَنْ فِيْهِمَا بلُقْمَةٍ فَعَلَ ، صُورَةُ خَلْقِهِ عَلضى صُورَةِ الْمَلاَئِكَةِ ، وَصُورَةُ وَجْهِهِ عَلَى وَجْهِ الآدَمِيِّينَ ، وَلَوْلاَ أنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلاَئِكَةِ سِتْرًا مِنْ نُورٍ لاحْتَرَقَتِ السَّمَوَاتُ مِنْ نُوره) .
ويقالُ: أرادَ بالرُّوحِ روحَ الحيوانِ وهو ظاهرُ الكلامِ ، وفي روحِ الحيوان خِلافٌ بين العلماءِ ، وكلُّ حيوانٍ فهو روحٌ وبَدَنٌ ، وروحُ الحيوان جسمٌ رقيق على بُنيَةٍ حيوانيَّة ، في كلِّ جُزءٍ منها حياةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } أي من الأمرِ الذي لا يعلمهُ إلا ربي ، وإنما لم يُجِبْهُمْ عن ذلك ؛ لأن اليهودَ هم الذين سألوهُ عن الروحِ ، وكان في كتابهم أنه إنْ أجابَهم عن الروحِ فليس بنبيٍّ! فلم يُجِبهُم تصديقًا لِمَا في كتابهم ، وكانت المصلحةُ في هذا أن لا يُعرِّفَهم الروحَ من جهة النصِّ ، بل يكلِّمُهم في تعريفهِ إلى ما في عقولهم ، لِمَا في ذلك من الرياضةِ باستخراج الفائدة.
وقال بعضُهم: هو الدمُ! ألا ترَى أنه مَن نَزَفَ دمهُ ماتَ ، والْمَيْتُ لا يَفْقُدُ من جسمهِ إلا الدمَ.