قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ } ؛ في هذه الآيةِ تقديرُ حذفِ مبتدأ تقديره: مدَّةُ الحجِّ أشهرٌ معلومات. ويقال: الحجُّ في أشهرٍ معلومات. وقوله: { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } [سبأ: 12] أي مدَّة غدوِّها ومدة رواحِها.
واختلفوا في هذه الأشهُرِ: فقال ابنُ عباس وأكثرُ المفسِّرين: (إنَّهَا شَوَّالُ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) . وأما مَن قالَ: إنَّها شوالُ وذو القعدة وذو الحجة ، فليسَ باختلافٍ لأن المرادَ بعضُ ذي الحجة ؛ لأن الحجَّ كله لا محالةَ في بعضِ هذهِ الأشهرِ لا في جميعها. ويجوزُ إضافتهُ إلى جميعِ هذه الأشهرِ وإنْ كان هو في بعضِها ؛ ألا ترى إنكَ تقولُ: لقيتُ فلانًا سنةَ كذا ، وقمتُ يوم كذا ؛ بمعنى بعضِ المدة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ } ؛ أي من أوجبَ فيهنَّ الحجَّ بالتلبيةِ أو ما يقومُ مقامَها من ذِكر أو سَوق الهديِ فلا يرفثُ ولا يفسقُ ، وهذا لفظُ خبرٍ بمعنى النهي ؛ كما أنَّ قَوْلَهُ: { يَتَرَبَّصْنَ } [البقرة: 228] و { يُرْضِعْنَ } [البقرة: 233] خبرَان لفظًا ؛ وأمرَانِ معنًى.
والرَّفَثُ: قال ابنُ عبَّاس: (هُوَ مُرَاجَعَةُ النِّسَاءِ بذِكْرِ الْجِمَاعِ) . والفُسُوقُ: قال ابنُ عمر: (هُوَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ فِي الإحْرَامِ) . واختارَ بعضُهم هذا القول ؛ وقالوا: لو كان المرادُ به جميعَ المعاصي لكان لا يُخَصُّ بالنهيِ عنها حالةَ الإحرام.
وقال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ من المفسِّرين: (الْمُرَادُ بها جَمِيْعَ الْمَعَاصِي) . وفائدةُ تخصيص حالته هذه بالنهي فهو تعظيمُ حُرمة هذه العبادة ؛ كما يقال: لا تَغْتَبْ في صومِك ؛ وكما قال صلى الله عليه وسلم:"إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ ؛ فَلاَ يَرْفَثْ ؛ وَلاَ يَجْهَلْ ، وَإنْ جُهِلَ عَلَيْهِ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ } قال بعضُهم: الْجِدَالُ: أن تُجَادِلَ صاحبَكَ حتى تُغْضِبَهُ أوْ يُغْضِبَكَ. وَقِيْلَ: كانت قريشُ تقفُ بالمزدلفة ؛ وكانت اليمنُ وربيعةُ تقفُ بعرفةَ خارجَ الْحَرَمِ ؛ وَكان كلُّ فريقٍ منهم يجادلُ صاحبَهُ في الموقف ؛ فنَزلت هذه الآيةُ.
قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } ؛ أي ما تَفْعَلُوا من أسباب الحجِّ وتركِ الرَّفَثِ والفسوقِ والجدالِ يعلمهُ الله ؛ أي يقبلهُ منكم فيجزيكم عليه ، واللهُ تعالى عالِمٌ من دون أنْ يفعلوا ، ولكن المرادَ به يعلمهُ الله مَفْعُولًا ؛ وكان مَن قبله يعلمهُ غيرَ مفعولٍ. وأرادَ الله بهذا الحثِّ على فعلِ الخيرِ ودلَّ به على العدلِ ؛ إذ بيَّن أنه لا يجازي العبدَ على ما يعلمهُ منه ، وإنَّما يجازيه على ما يقعُ منه.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } ؛ أي تَزَوَّدُوا في سَفَرِ الحجِّ والعمرة ما تَكُفّونَ به وجوهَكم عن المسألةِ. نزلت في قومٍ كانوا يخرُجون بأهاليهم بغيرِ زادٍ ويَتَّكِلُونَ على الناسِ ؛ ويسمُّون أنفسهم المتَوَكِّلةَ ، يقولون: نَحُجُّ بيتَ ربنا واللهُ رازقُنا.