فهرس الكتاب

الصفحة 2023 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا } ؛ أي قولاَ لهُ بالشَّفَقة ، ولا تقولاَ له قولًا عَنِيفًا ، فيزدادَ غَيْضًا بغِلَظِ القولِ. قال السديُّ وعكرمةُ: (كَنِّيَاهُ قُولاَ لَهُ: يَا أبَا الْعَبَّاسِ) وَقِيْلَ: يا أبَا الوليدِ ، ويا أيُّها الملكُ. وَقِيْلَ: يعني بالقولِ اللَّينِ: { هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } [النازعات: 18-19] .

وعن السديِّ قال: (الْقَوْلُ اللَّيِّنُ: أنَّ موسَى أتَاهُ فَقَالَ لَهُ: تُؤِمِنُ بمَا جِئْتُ بهِ ، وَتَعْبُدُ رَبَّ الْعَالَمِيْنَ عَلَى أنَّ لَكَ شَبَابَكَ فَلاَ تَهْرَمُ ، وَأنَّ لَكَ مُلْكَكَ لاَ تُنْزَعُ حَتَّى تَمُوتَ ، وَلاَ تُنْزَعُ عَنْكَ لَذةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالْجِمَاعِ حَتَّى تَمُوتَ ، فَإذا مِتَّ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ. فَأَعْجَبَهُ ذلِكَ ، وَكَانَ لاَ يَقْطَعُ أمْرًا دُونَ هَامَانَ ، وَكَانَ هَامَانُ غَائِبًا ، فَقَالَ فِرْعَونُ: إنَّ لِي ذا أمْرٍ غَائِبٍ ، فَاصْبرْ حَتَّى يَقْدُمَ. فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ إنَّ مُوسَى دَعَانِي إلَى أمْرٍ فَأَعْجَبَنِي - وَأخْبَرَهُ بالَّذِي دَعَاهُ إلَيْهِ - وَأرَدْتُ أنْ أقْبَلَ مِنْهُ. فَقَالَ هَامَانُ: قَدْ كُنْتُ أرَى أنَّ لَكَ عَقْلًا ، بَيْنَمَا أنْتَ رَبٌّ فَتُرِيْدُ أنْ تَكُونَ مَرْبُوبًا ، وَأنْتَ تُعْبَدُ فَتُرِيْدُ أنْ تَعْبُدَ؟. فَغَلَبَهُ عَلَى رَأيهِ فَأَبَى.

رُويَ أنَّ رَجُلًا قَرَأ فِي مَجْلِسِ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ: { فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا } فَبَكَى يَحْيَى ابْنُ مُعَاذٍ وَقَالَ: (إلَهِي ، هَذا رفْقُكَ بمَنْ يَقُولُ أنَا إلَهٌ ، فَكَيْفَ رفْقُكَ بمَنْ يَقُولُ أنْتَ إلَهِي ، إنَّ قَوْلَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ يَهْدِمُ كُفْرَ خَمْسِيْنَ سَنَةٍ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } ؛ أي يَتَّعِظُ أو يخشى العاقبةَ ، وكلمة (لَعَلَّ) للترجِّي والطمعِ ؛ أي اذهبَا على رجائِكُما وطمَعِكُما وأنا عالِمٌ بما يفعلُ ، فإن قيلَ: كيفَ قال { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ } وعلمهُ سابقٌ في فرعونَ أنه لا يؤمنُ ، ولا يتذكر ولا يخشَى ؟ قِيْلَ: هذا مصروفٌ إلى غيرِ فرعون ، تقديرهُ: لِكَي يتذكرُ متذكرٌ ويخشَى خَاشٍ إذا رأى بَرِئ ، وألطَافِي بمن خلقتهُ ورزقتُهُ وصحَّحتُ جِسمَهُ وأنعمتُ عليه ، ثم ادَّعى الربوبيةَ دونِي.

قال بعضُ العارفين في قولهِ تعالى: { فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا } : (إذا كَانَ هَذا رفْقُكَ بمَنْ ينافيكَ ، فكيفَ رفقُكَ بمن يصافيكَ ؟ هذا رفقُكَ بمن يعاديكَ ، فكيف رفقُكَ بمن يواليكَ ؟ هذا رفقُكَ بمن يسبُّكَ ، فكيفَ رفقُكَ بمن يحبُّكَ ؟ هذا رفقُكَ بمن يقولُ ندًا فكيفَ بمن يقول فردًا ؟ هذا رفقُكَ بمن ضَلَّ ، فكيفَ رفقُكَ بمن زلَّ ؟ هذا رفقُكَ بمن اقترفَ ، فكيفَ رفقُكَ بمن اعترفَ ؟ هذا رفقُكَ بمن أصرَّ ، فكيف رفقُكَ بمن أقرَّ ؟ هذا رفقُكَ بمن استكبرَ ، فكيف رفقكَ بمن استغفرَ؟) .

وعن وهب بن منبه قال: (أوحى اللهُ إلى موسى: انطلِقُ إلى فرعونَ برسالتِي ، فمعكَ نَظَرِي وأنتَ جندٌ عظيم من جُنودِي ، بعثتُكَ إلى خلقٍ ضعيف قد عزَّته الدنيا حتى كفرَ وأقسَم بعزي لولا اتخاذُ الحجَّة عليه والعذرَ إليه لبطشتُ به بطشةَ جبارٍ يغضبُ لغضبهِ السَّموات والأرض ، فإن أذنَ للسَّماء صَعَقَتْهُ ، وللأرضِ ابتلعتْهُ ، وللجبال دمَّرتهُ ، وللبحار أغرقته ، ولكنهُ وسعَهُ حِلْمي ، فبلِّغْهُ رسالَتي وقل له فيما بين ذلك قولًا لينًا لا يغرُّ بك فألبسه من لباسِ الدُّنيا ، فأحِبْ ربك الذي هو واسعُ المغفرة ، أنه قد أمهلَكَ منذُ خمسمائة سنة لَم تَهرمْ ولَم تسقمْ وَلم تفتَقِرْ ، واعلم أنَّ أفضلَ ما تزينَ به العبادُ الزهدَ في الدنيا ، ومن أهانَ ولِيًّا فقد بارَزَنِي بالْمُحاربةِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت