فهرس الكتاب

الصفحة 1129 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا } ؛ وذلك أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ من مكَّة بَعْدَ مَا فَتَحَها ، وَكَانَ انْفِتَاحُها فِي بَقِيَّةِ أيَّامِ رَمَضَانَ ، فَمَكَثَ بهَا حَتَّى دَخَلَ شَوَّالُ مُتَوَاجِّهًا إلَى حُنَينٍ ، وَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيمٍ عَيْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبِي حَدْرَدَ ، فَأَتَى حُنَينًا فَكَانَ بَيْنَهُمْ يَسْمَعُ أخْبَارَهُم ، فَسَمِعَ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ يَقُولُ لأَصْحَابهِ: أنْتُمُ الْيَوْمَ أرْبَعَةُ آلاَفِ رَجُلٍ ، فَإذا لَقِيتُمُ الْعدُوَّ فَاحْمِلُواْ عَلَيهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَوَاللهِ لاَ تَضْرِبُونَ بأَرْبَعَةِ آلاَفِ سَيْفٍ شَيْئًا إلاَّ أفْرَجَ لَكُمْ. وَكَانَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ عَلَى هَوَازن ، وَكِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلِ عَلَى ثَقِيفٍ ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أبي حَدْرَدَ حَتَّى أتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ بمَقَالَتِهِمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُتَوَجِّهًا إلَيهِمْ فِي عَشْرَةِ آلاَفِ رَجُلٍ ، كذا قال الكلبيُّ.

وقال مقاتلُ: (كَانُوا أحَدَ عَشَرَ ألْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ) ، وقال قتادةُ:("خَرَجَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلَى حُنَينٍ لِقتَالِ هَوَازنَ وَثَقِيف فِي اثْنَي عَشَرَ ألْفًا مِنَ المُهَاجِرينَ وَالأَنْصَارِ ، وَألْفَيْنِ مِنَ الطُّلَقَاءِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ سَلاَمةَ: يَا رَسُولَ اللهِ لاَ نُغْلَبُ الْيَومَ مِنْ قِلَّةٍ ، فَسَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَلِمَتُهُ وَابْتَلَى اللهُ الْمُسْلِمِينَ بذَلِكَ ، فَلَمَّا الْتَقَواْ حَمَلَ الْعَدُوُّ عَلَيهِمْ حَمْلَةَ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَقُومُواْ لَهُمْ حَلْبَ الشَّاةِ أنِ انْكَشَفُواْ وَتَبعَهُمُ الْقَوْمُ فِي أدْبَارِهِمْ."

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأبُو سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ يَقُودُ بهِ ، وَالْعَبَّاسُ أخَذَ بالثَّغْرِ ، وَحوْلَ رَسُولِ اللهِ يَوْمَئِذٍ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَانْهَزَمَ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ ، فَجَعَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُرَكِّضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الْكُفَّارِ لا يَأْلُ ، وَكَانَتْ بَغْلَتَهُ شَهْبَاءَ وَهُوَ يُنَادِي:"يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَيَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ إلَيَّ ، أيْنَ أصْحَابُ الصُّفَّة"أيْ أصْحَابُ سُورَةِ الْبَقَرَةٍ.

وَكَانَ الْعَبَّاسُ يُنَادِي: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، أيْنَ الَّذِينَ بَايَعُواْ تَحْتَ الشَّجْرَةِ ، يَا مَعْشرَ الَّذِينَ آوَوْا وَنَصُُرُواْ ، هَلُمُّواْ فَإنَّ هَذَا رَسُولُ اللهِ. وَكَانَ الْعَبَّاسُ صَيِّتًا جَهُوريَّ الصَّوْتِ ، يُروَي أنَّهُ مِنْ شِدَّةِ صَوْتِهِ أنَّهُ أُغِيرَ يَوْمًا عَلَى مَكَّةَ فَنَادَى وَاصُبْحَاهُ ، فَأَسْقَطَتْ كُلُّ حَامِلٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ.

فَلَمَّا صَاحَ بالْمُسْلِمِينَ عَطَفُواْ حِينَ سَمِعُواْ صَوْتَهُ عَطْفَةَ الْبَقَرِ علَى أوْلاَدِهَا ، وَقَالَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ، وَجَاؤُا عُنُقًا وَاحِداَ لِنَصْرِ دِينِ اللهِ ، وَأقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى مِنَ السَّمَاءِ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَأظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ ، وَحَمِيَ الْوَطِيسُ ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَتِهِ يَتَطَاوَلُ إلَى قِتَالِهمْ ، ثُمَّ أَخَذَ كَفًّا مِنَ الْحَصَى فَرَمَاهُمْ بهِ وَقَالَ:"شَاهَتِ الْوُجُوهُ ، انْهَزَمُواْ وَرَب الْكَعْبَةِ"فَوَاللهِ مَا زَالَ أمْرُهُمْ مُدْبرًا وَجَدُّهُمْ كَلِيلًا ، وَهَرَبَ حِينَئِذٍ آمِرُهُمْ مَالِكُ بْنُ عُوْفٍ)"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت