فهرس الكتاب

الصفحة 879 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (مَعْنَاهُ: أنَّ إبْلِيْسَ قَالَ: لآتِيَنَّهُمْ مِنْ قِبَلِ آخِرَتِهِمْ ؛ فَلأُخْبرَنَّهُمْ أنَّهُ لاَ جَنَّةَ وَلاَ نَارَ ، وَلاَ بَعْثَ وَلاَ حِسَابَ) . { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } ؛ أي مِنْ قِبَلِ دُنياهم ؛ فَلآمُرَنَّهُمْ بجَمْعِ المالِ مخافةَ الفقرِ وأن لا يؤدوا حقَّهُ ، { وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ } ؛ أي مِنْ قِبَلِ دِينهم فَأُبَيِّنَ لَهم ضَلالَتهُم ، وإنْ كانُوا على هُدًى شَبَّهْتُهُ عليهم حتى أُخرِِجَهم منهُ ، { وَعَن شَمَآئِلِهِمْ } ؛ أي مِنْ قِبَلِ اللَّذاتِ والشَّهواتِ فأُزَيِّنُهَا لَهم ، { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } ؛ لِنِعْمَتِكَ.

وقال السُّدِّيُّ: (مَعْنَى: { ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } أرَادَ الدُّنْيَا أُغْوِيْهِمْ إلَيْهَا ، { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } فمِنَ الآخِرَةِ أشَكِّكُهُمْ فِيْهَا وأبعِدُها عَلَيْهِم ، { وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ } قَالَ: الْحَقُّ أُشَكِّكُهُمْ فِيْهِ ، { وَعَن شَمَآئِلِهِمْ } قالَ: الْبَاطِلُ أُخْفِيْهِ عَلَيْهِمْ وأُرَغِّبُهُمْ فِيْهِ) .

وَقِيْلَ: أرادَ بقولِه { وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ } من جهةِ الحسنات أغْفَلَهُمْ عنها ، { وَعَن شَمَآئِلِهِمْ } يعني من جهةِ السيِّئات ، فإنَّ الحسناتِ تُضَاف إلى اليمينِ ، والسيِّئاتِ تُضافُ إلى الشمالِ. وَقِيلَ: معنى الايةِ: ثم لأَحْتَالَنَّ في إغوائِهم من كلِّ وجهٍ. قال قتادةُ: (أتَاكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، غَيْرَ أنَّهُ لاَ يَسْتَطِيْعُ أنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَحْمَةِ رَبكَ ، إنَّمَا تَأْتِيْكَ الرَّحْمَةُ مِنْ فَوْقِكَ) .

وقال شقيقُ بنُ إبراهيمَ:(مَا مِنْ صَبَاحٍ إلاَّ قَعَدَ لِي الشَّيْطَانُ عَلَى أرْبَعَةِ مَرَاصِدَ: مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ ، وَمِنْ خَلْفِي ، وَعَنْ يَمِيْنِي ، وَعَنْ شِمَالِي. أمَّا مَا بَيْنَ يَدَيَّ ؛ فيَقُولُ لِي: لاَ تَحْزَنْ فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ ، فَأَقُولُ: ذلِكَ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى.

وَأمَّا مِنْ خَلْفِي ؛ فَيُخَوِّفُنِي الضَّيْعَةَ عَلَى ذُرِّيَّتِي وَمَنْ خَلْفِي ، فَأَقُولُ: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللهِ رزْقُهَا. وأمَّا مِنْ قِبَلَ يَمِيْنِي ؛ فَيَأْتِيَنِي مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ ، فَأَقُولُ: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. وأمَّا مِنْ قِبَلِ شِمَالِي ؛ فَيَأْتِيَنِي مِنَ اللَّذاتِ وَالشَّهَوَاتِ ، فأَقُولُ: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ).

وإنَّما ذكر (مِنْ) في قولهِ: { مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } وذكرَ (عَنْ) في قولهِ: { وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ } لأن القدَّامَ والخلفَ يكونُ لابتداءِ الغاية ، والغايةُ تذكرُ بحرفِ (مِنْ) . وأمَّا جهةُ اليمينِ والشمال فإنَّها تكون للانحرافِ ، فذكرَها بـ (عَنْ) .

فإن قِيْلَ: مِنْ أينَ عَلِمَ إبليسُ أنه لا يكونُ أكثرُهم شاكرينَ ؛ أي أكْثَرُ الناسِ شاكرينَ ؟ قِيْلَ: إنَّهُ ظَنَّ بهم ظَنًّا ، فوافقَ ظَنُّهُ مَظْنُونَهُ ، كما قالَ: تعالَى: { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } [سبأ: 20] . وإنَّما ظَنَّ ذلكَ ؛ لأنه لَمَّا تَمَكَّنَ من اسْتِزْلاَلِ آدمَ وحوَّاء ؛ عَلِمَ أنَّ أولادَهما أضعفُ منهما ، فيكون تَمَكُّنُهُ منهم أكثرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت