فهرس الكتاب

الصفحة 1481 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } ؛ أي قالَ يعقوبُ: إنَّما أشْكُو غَمِّي وحُزْنِي إلى اللهِ. والْبَثُّ: هو تفريقُ الحزنِ الذي لا يكادُ يصبرُ عنه صاحبهُ حتى يَبُثَّهُ.

ورُوي أنَّ رجُلًا قالَ ليعقوب عليه السلام: مَا الذي أذهبَ بصَرَكَ ؟ قال: حُزْنِي على يوسُفَ ، قال: فما الذي قَوَّسَ ظَهرَك ؟ قال: حُزنِي على أخيهِ. فأوحَى اللهُ إليه: يا يعقوبُ أتَشْكُونِي ؟ وعِزَّتِي لا أكشفُ ما بكَ حتى تَدعُوَنِي ، فقال عند ذلك: { إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } فأوحَى اللهُ إليه: وعِزَّتِي وجَلالِي لو كانَا مَيِّتَينِ لأحيَيتُهما لكَ حتى تنظُرَ إلَيهما.

وَقِيْلَ: إنَّ رجُلًا دخلَ عليه فقالَ له: يا يعقوبُ ما لِي أراكَ قد انْهَشَمْتَ وَفَنَيْتَ ؟ قال: هَشَّمَنِي وَأفْنَانِي ما ابتلانِي اللهُ به من هَمِّ يوسُفَ ، فأوحَى اللهُ إليه: أتَشْكُونِي إلى خَلقِي ؟ فقالَ: يا رب خطيئةٌ أخطَأْتُها فَاغفِرْها لِي ، فقال: قد غفَرتُها لَكَ ، فكان بعدَ ذلك إذا سُئلَ قال: { إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } .

قال وهبُ بن مَنبه: (أوحَى اللهُ إلى يعقوبَ: أتدري لِمَ عاقبتُكَ وحبستُ عنك يوسف ثمانين سنةَ ؟ فقالَ: لاَ ، قال: لأنَّكَ شويتَ وقتَّرْتَ على جارِكَ وأكلتَ ولم تُطعِمْهُ!) . ويقالُ: إن سببَ ابتلاءِ يعقوب ، أنه كان له بقرةٌ وكان لها عِجْلٌ ، فذبحَ عِجلَها بين يديها وهي تخورُ ، فلم يَرحَمْها يعقوبُ فأخذهُ الله به وابتلاهُ بفقدِ أعزِّ أولادهِ من وسيطٍ الواحد!

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ؛ أي أعلمُ أن رُؤيا يوسف صادقةٌ وإنَّا سنسجدُ له. وَقِيْلَ: أعلمُ أن يوسف حيٌّ لم يَمُتْ ؛ لأنه رويَ أن مَلَكَ الموتِ دخلَ على يعقوبَ ، فقال له يعقوبُ: هل قبضتَ روحَ ولَدي يوسف في الأرواحِ ؟ قال: لاَ وستراهُ عاجلًا.

فعندَ ذلك قال يعقوبُ لأولادهِ كما قَالَ اللهُ تََعَالَى: { يابَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } ؛ أي اذهَبُوا واسْتَخْبرُوا واطلبُوا يوسف وأخاهُ ، وقال ابنُ عبَّاس: (مَعْنَاهُ: فالْتَمِسُوا يُوسُفَ وَأخَاهُ) ، { وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ } ؛ أي لا تقنَطُوا من فَرَجِ اللهِ ، { إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } ؛ وسُئل ابنُ عبَّاس عن الفرقِ بين التَّحْسِيسِ والتَّجْسِيسِ ، فقالَ: (التَّحَسُّسُ فِي الْخَيْرِ ، وَالتَّجَسُّسُ فِي الشَّرِّ) .

ورُوي أن يعقوبَ كتبَ كتابًا إلى عزيزِ مصرَ: بسمِ الله الرَّحمنِ الرحيم: من يعقوبَ بن اسحقَ بن إبراهيم إلى عزيزِ مصرَ ، أمَا فإنَّا أهلُ بيتٍ موَكَّل بنا البلاءُ ، ابتلَى اللهُ جَدِّي بأن طُرِحَ في النار فجعلَها اللهُ عليه بَرْدًا وسَلاَمًا ، وابتَلَى عمِّي إسماعيلَ بالذبْحِ ، ففداهُ اللهُ بكَبْشٍ عظيمٍ ، وابتلَى أبي بالعمَى ، وابتُلِيتُ أنا بغَيْبَةِ ابنِي يوسُفَ فذهبَ بصَرِي ، وزعمتَ أنَّ ابني سَرَقَ ، وما ولدتُ سَارقًا ، فخَلِّ سبيلَ ابني وإلا فإن اللهَ يفعلُ ما يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت