قَوْلُهُ تَعَالَى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ؛ قرأ الأعمش: (ذَائِقَةٌ) بالتنوين ، ونصبَ (الْمَوْتَ) ، قال ابنُ عبَّاس: (لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [الرحمن: 26] قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ: هَلَكَ أهْلُ الأَرْضِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْقَنَتِ الْمَلاَئِكَةُ بالْهَلاَكِ) . وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ اشْتَكَتِ الأَرْضُ إلَى رَبهَا لِمَا أخِذ مِنْهَا ؛ فَوَعَدَهَا أنْ يَرُدَّ إلَيْهَا مَا أخَذ مِنْهَا ، فَمَا مِنْ أحَدٍ إلاَّ يُدْفَنُ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي أخِذ مِنْهَا"ورأى أبوُ هريرةُ قَبْرًا جديدًا ، فَقَالَ: (سُبْحَانَ اللهِ! انْظُرُواْ كَيْفَ سَبَقَ هَذا الْعَبْدُ إلَى تُرْبَتِهِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي تُعْطَوْنَ جزاءَ أعمالِكم يومَ القيامةِ ، إنْ خَيرًا فخيرٌ ؛ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ ، لا تَغْتَرُّوا بِنِعَمِ الكُفَّار ، ولا تَحْزَنُواْ لشدائدِ المؤمنيْنَ ، فإنَّ كِلاَ الفريقينَ يَتَفَرَّقُونَ ؛ فلا بُؤْسُ يبقَى ولا نعيمٌ في الدُّنيا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ } ؛ أي أُبْعِدَ عنها ؛ { وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } ؛ أي نَجَا وَسَعِدَ وَظَفَرَ بما يرجُو. قوله تعالى: { وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } ؛ متاعُ الدُّنيا مثلُ القِدْر والقَصْعَةِ والفأسِ ، يتمتَّعُ بهذه الأشياءِ ؛ أي يُنْتَفعُ بها ثم تذهبُ فتفنَى ، كذلك الحياةُ الدُّنيا. وقيل: (مَتَاعُ الغُرور) مَا يُغَرُّ به الإنسانُ في الحالِ ، فكما أنَّ التاجرَ يهربُ من متاعِ الغرور وهو ما يسرعُ إليه الفسادُ مثلَ الزُّجاجِ ، والَذِي يسرعُ إليه الكسرُ ويصلحُه الجبرُ ؛ كذلك ينبغِي للحيِّ أن يهربَ من الدُّنيا الفانيةِ إلى متاعِ الآخرةِ.
وعن عبدِ اللهِ بن عمرَ ؛ قَالَ: (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَجَّيْنَاهُ بثَوْبٍ ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ نَبْكِي ، فَأَتَانَا آتٍ نَسْمَعُ صَوْتَهُ وَلاَ نَرَى شَخْصَهُ ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فَقُلْنَا: وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ ، فَقَالَ: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائقَةُ المَوْتِ } إلَى آخِرِ الآيَةِ ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ فِي اللهِ خََلَفًا لِكُلِّ هَالِكٍ ؛ وَعَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيْبَةٍ ؛ وَدَرْكًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ ، فَباللهِ فَاتَّقُواْ وَإيَّاهُ فَارْجُوا ، فَإنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ) . قالَ: (فَتَحَدَّثْنَا أنَّهُ جِبْرِيْلُ عليه السلام) .