فهرس الكتاب

الصفحة 1022 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } ؛ أي نفس آدمَ ، { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ؛ أي خَلَقَ حَوَّاءَ من ضِلْعٍ من أضلاعهِ ، { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ؛ أي ليطمئِنَّ إليها ويستأنسَ بها ويأوِي إليها لقضاءِ حاجته منها ، { فَلَماَّ تَغَشَّاهَا } ؛ أي جَامَعَها ، { حَمَلَتْ } ؛ ماءَهُ ، { حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ } ؛ فاستمرَّت بذلكَ الماءِ ؛ أي قامت وقعَدَتْ كما كانت تفعلُ قبلُ وهي لا تدري أنه حَبَلٌ أم لا ، ولم تَكْتَرِثْ بحملِها ، يدلُّ عليه قراءةُ ابنِ عبَّاس: (فَاسْتَمَرَّتْ بهِ) . وقال قتادةُ: (مَعْنَى { فَمَرَّتْ بِهِ } مخفَّفًا من الْمِرْيَةِ ؛ أي شكَّتْ أحمَلتْ أم لا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا } ؛ أي لَمَّا كَبرَ الولدُ في بطنِها وتحرَّكَ وصارت ذاتَ ثُقْلٍ بحملِها وشقَّ عليها القيامُ ، أتَاها إبليسُ في صورةِ رجُل ، فقالَ: يا حوَّاء ما هذا في بطنِكِ ؟ قالت: ما أدري ، قال: إنِّي أخافُ أن يكون بَهِيمةً ، وذلك أوَّلَ ما حَملت ، فقالت ذلك لآدمَ عليه السلام ، فلَم يزَالاَ في هَمٍّ من ذلك.

ثُم عادَ إبليسُ إليها فقالَ: يا حوَّاء أنَا مِن الله بمَنْزِلَةٍ! فإن دعوتُ اللهَ ربي إنسانًا تُسَمِّيهِ بي ؟ قالت: نَعَمْ ، قال: فإنِّي أدعُو اللهَ ، وكانت هي وآدمُ يدعُوَان اللهَ ، { لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا } ؛ ولدًا حَسَنَ الْخُلْقِ صحيحَ الجوارحِ مثلَنا ، { لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } ؛ لكَ في هذه النعمةِ ، { فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحًا } ؛ سَوِيًّا صحيحًا أتَاها إبليسُ فقال لها: عهدي! قالت: ما اسمك ؟ قالَ: الحرثُ ولو سَمَّى نفسَهُ فقال عزرائيلَ لعرفتهُ ، ولكنه تسمَّى بغيرِ اسمه فسمته: عبدُ الحرثِ ، ورَضِيَ آدمُ فعاشَ الولدُ أيَّامًا حتى ماتَ.

وهذا لا يصحُّ ؛ لأنَّ حَوْاء وإن لم تكن نَبيَّةً فهي زوجةُ نَبيٍّ ، وفي الآيةِ ما يدلُّ على ذلك ؛ لأن الله تعالى قال: { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا } ؛ ومثلُ هذه القبائحِ لا يصحُّ إضافتُها إلى الأنبياءِ ، ولأنَّ الله تعالى قالَ: { فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ؛ ولأن الواحدَ مِنَّا لو أتاهُ مَنْ يعبثهُ على أن يُسَمِّي ولدَهُ عبدَ شمسٍ أو عبدَ العُزَّى أو نحوَ هذا ، لَم يَقْبَلْ ذلك ، ولو أمكنَهُ أن يعاقبَهُ على ذلك فعلَ ، فكيف يجوزُ مثل هذا على آدمَ ؟ وقد رفعَ الله قَدْرَهُ بالنبوَّة.

وقال الحسنُ: (معناهُ: إنَّ اللهَ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ وجَعَلَهَا سَكَنًا لَهُ ، وَكَذلِكَ حَالُ الْخَلْقِ مَعَ أزْوَاجِهِمْ ، كَأنَّهُ قَالَ: وَجَعَلَ مِنْ كُلِّ نَفْسٍ زَوْجَهَا ، كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أخْرَى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } [الروم: 21] .

قال الحسنُ: (انْقَضَتْ قِصَّةُ آدَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ عَنْ بَعْضِ خَلْقِهِ أنَّهُ تَغَشَّى زَوْجَتَهُ فَحَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بهِ ، فَلَمَّا أثْقَلَهَا مَا فِي بَطْنِهَا دَعَوا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَشْكُرَنَّكَ ، فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ بعَمَلِهِمَا الَّذِي عَمِلاَهُ بأَنْ هَوَّدَاهُ أوْ نَصَّرَاهُ أوْ مَجَّسَاهُ ؛ أي عَلَّمَاهُ شَيْئًا مِنَ الأَدْيَانِ الْخَبيثَةِ الَّتِي يَدْعُو إلَيْهَا إبْلِيسُ ، وَلِهَذا أعْظَمَ اللهُ شَأْنَهُ فِي آخِرِ الآيَةِ فَقَالَ(فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بالآيَةِ آدَمَ وحَوَّاءَ لَقَالَ: عَمَّا يُشْرِكَانِ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت